على أن أبا الدرداء رضي الله عنه -وقد أسلم يوم بدر- لم يفته أن يشهد مقارعة أعداء الله في"أحد"وقد أبلى البلاء الحسن في ذلك، قال شريح بن عبيد الحمصي: لما هزم أصحاب رسول الله يوم أحد، كان أبو الدرداء يومئذ فيمن فاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس، فلما أظلهم المشركون من فوقهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"اللهم ليس لهم أن يَعلونا"فثاب إليه ناس وانتدبوا وفيهم عويمر أبو الدرداء حتى أدحضوهم عن مكانهم، وكان أبو الدرداء يومئذ حسن البلاء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"نعم الفارس عويمر"وهو مرسل، لما أن شريح بن عبيد الحمصي لم يدرك أبا الدرداء (4)
(انتدبوا: أسرعوا - أدحضوهم: أزالوهم.)
هذا: ولم يعتزل الصحابي الجليل جماعة المسلمين ولا تقاعس عن واجب أو أداء حق من حقوق الأهل والأمة، وكان حريصًا على النصح، والإرشاد إلى ما هو الأقوم والأصلح ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، الأمر الذي يذكر بما أورد الحافظ في"الإصابة"من قول النبي صلى الله عليه وسلم:"هو حكيم أمتي" (5) .
انظر إليه يقول مرشدًا ناصحًا، بكلمات هي من ظلال كلام النبوة:"لا تزالون بخير ما أمّرتم خياركم، وما قيل فيكم بالحق، فعرفتموه، فإن عارف الحق كعامله"وهذا دليل يؤكد أن انصرافه-جزاه الله خير الجزاء- عن الانخراط في صفوف المكثرين، لم يحل دونه ودون أن يكون اللبنة الصالحة دائمًا في بناء المجتمع المسلم، يعمل على التذكير بأخلاق الإسلام، ومعايير الشريعة، ويقوم بواجب النصح أداءً للأمانة، ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، فهو من الجماعة المسلمة وإليها، ويد الله مع الجماعة.
جزى الله أبا الدرداء صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم خير الجزاء، وتقبّل منه صالح العمل، وما كان من الجهاد ونصرة الدين، والزهادة في الدنيا، والنصح للمسلمين، ورزقنا الله حسن الانتفاع بسيرة الصحابة عليهم الرضوان، ومن تبعهم بإحسان عبر تاريخنا الطويل، وصلى الله وسلم وبارك على إمام الهداة المجاهدين الزاهدين، وعلى آله وصحابته ومن اهتدى بهديه، علمًا وعملًا، وجهادًا، واستعلاءً على حطام الدنيا في تطلع صادق إلى حسن العاقبة يوم الدين، وعلى آله وصحابته البررة الأخيار، ومن اهتدى بهديه إلى يوم المعاد.
(1) انظر"طبقات ابن سعد" (7/391) "المعارف لابن قتيبة"ص: 259-268"الاستيعاب لابن عبد البر".
القضاء
حدَّث يحيى بن سعيد قال: استعمل أبو الدرداء (عويمر) رضي الله عنه على القضاء فأصبح الناس يهنئونه، فقال: أتهنونني بالقضاء، وقد جعلت على رأس مهواة منزلتها أبعد من عدن أبين، ولو علم الناس ما في القضاء لأخذوه بالدول رغبةً عنه وكراهية له، ولو يعلم الناس ما في الأذان لأخذوه بالدول رغبةً فيه وحرصًا عليه.
وعن معاوية بن قرة أن أبا الدرداء اشتكى (مرض) فدخل عليه أصحابه. فقالوا: يا أبا الدرداء ما تشتكي؟
قال: أشتكي ذنوبي.
قالوا: فما تشتهي؟
قال: أشتهي الجنة..
قالوا: أفلا ندعو لك طبيبًا؟
قال: هو الذي أضجعني.. جزاك الله خيرًا
وحدث أبو معشر القرظي قال: لما حضر أبا الدرداء الموت جاءه حبيب بن مسلمة فقال: كيف تجدك يا أبا الدرداء؟
قال: أجدني ثقيلًا.
قال: ما أراه إلا الموت.
قال: أجل.
قال: جزاك الله خيرًا.
أحب..
وعن عمرو بن مرة قال: سمعت شيخًا يتحدث عن أبي الدرداء أنه قال:
أحب الفقر تواضعًا لربي، وأحب الموت اشتياقًا إلى ربي، وأحب المرض تكفيرًا لخطيئتي.
ومن وصاياه الجامعة التي تحس فيها أثر مدرسة الوحي، وترى من خلالها ما كان من صدق الأخذ عن رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، وحبه أكثر من الوالد والولد والنفس، ووعي مقالاته ووصاياه وعيًا أمينًا يدل على صدق التمثل والانطباع، قوله رضي الله عنه:"اعبدوا الله كأنكم ترونه، وعدوا أنفسكم من الموتى، واعلموا أن قليلًا يغنيكم خير من كثير يلهيكم. واعلموا أن البر لا يبلى، وأن الإثم لا ينسى".
ويقول في موعظة لأهل دمشق:".."
مالي أرى علماءكم يذهبون، وجهالكم لا يتعلمون؟ وأراكم قد أقبلتم على ما تكفل لكم به، وتركتم ما أمرتم به. ألا إن قومًا بنوا شديدًا، وجمعوا كثيرًا، وأملوا بعيدًا، فأصبح بنيانهم قبورًا، وأملهم غرورًا، وجمعهم بورًا. ألا فتعلموا وعلموا؛ فإن العالم والمتعلم في الأجر سواء، ولا خير في الناس بعدهما"."
إنها موعظة جاءت بالدعوة الحارة الصادقة إلى العلم والتعليم -وذلك خصلة من أوليات خصال الإسلام؛ فلا خير في الناس بعد العالم والمتعلم، كما دعت إلى الزهادة الصادقة في الدنيا، ولفت النظر إلى العبرة بالماضين ماذا صنعوا. وما الذي آلوا إليه. فنعم الواعظ ونعمت الموعظة، وطوبى لأولئك الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.