فهرس الكتاب

الصفحة 435 من 27345

ولما كان أبو الدرداء دائم التفكر والتذكر، تملأ قلبه خشية الله، ويخاف أن يدركه الموت وهو مفرط في جنب الله.. رأيناه كثيرًا ما يسائل نفسه عن العمل بما علم، وبماذا يجيب رب العزة حين يسأله عن ذلك يوم الحشر ويبدي خوفه الشديد من ذلك؛

فمن كلامه رضي الله عنه"أخوف ما أخاف أن يقال لي يوم القيامة: يا عويمر أعلمت أم جهلت؟ فإن قلت علمت! لا تبقى آية آمرة أو زاجرة إلا أخذت بفريضتها، الآمرة هل ائتمرت؟ والزاجرة هل ازدجرت؟ وأعوذ بالله من علم لا ينفع، ونفس لا تشبع، ودعاء لا يسمع".

ألا يا ليت لمن يدعون العلم والمعرفة آذانًا تسمع وقلوبًا تعي، ولكن الدنيا بزخرفها وبهرجها تلهي وتلهي، والنفس بشهواتها وغرورها تشغل وتشغل، حتى كأن بعضنا لا يؤمن بيوم الحساب، اليوم الذي يكشف الله عما ذا يكون فيه، من انقطاع الحيلة، وتعطل وسائل التمويه التي كانت في الدنيا فيقول:"اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون (11) ".

وفي كلمة أخرى يقول:"إنما أخشى على نفسي أن يقال لي على رؤوس الخلائق: يا عويمر هل علمت؟ فأقول: نعم!! فيقال: ماذا عملت فيما علمت؟".

اللهم عفوك وسترك، إذا كان أبو الدرداء صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، يخاف على نفسه هذه المخافة ويراقب هذه المراقبة؟ فماذا نحن فاعلون، وما الذي أعده أولئك الحمقى الذين يأكلون الدنيا بالدين، بل ماذا سيصير إليه أحمق الحمقى الذين يبيعون دينهم بدنيا غيرهم.

اللهم يا مثبت القلوب ثبت قلوبنا على دينك، ويا مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك واجعلنا برحمتك -ونحن المقرون بالتقصير- في عداد أولئك الذين يعملون بما يعلمون ولا حول ولا قوة إلا بالله..

ومن القواعد الذهبية للسلوك الذي يكون انعكاس العقيدة ما نراه في هذه الكلمات"ذروة الإيمان الصبر للحكم، والرضى بالقدر، والإخلاص في التوكل، والاستسلام للرب عز وجل".

وما نراه أيضًا في الذي كان يقوله إذا رأى جنازة؛ فعن شرحبيل أن أبا الدرداء كان إذا رأى جنازة قال:"اغدوا فإنا رائحون، أو روحوا فإنا غادون، موعظة بليغة، وغفلة سريعة، كفى بالموت واعظًا، يذهب الأول فالأول، ويبقى الآخر لا حلم له".

رضي الله عنك يا أبا الدرداء وأجزل لك المثوبة بما علمت العلم، وذكرت بالآخرة، ووعظت الناس بحالك قبل أن تعظهم بقالك؛ فكنت القدوة الصالحة في أقوالك وأفعالك. وصلى الله وسلم على معلم الناس الخير، والله المأمول أن يجمعنا مع قرائنا مرة أخرى على شذرات طيبة من حياة هذا الصحابي الجليل. وآخر دعونا أن الحمد لله رب العالمين.

(1) سورة الأنعام: 50

(2) سورة الرعد: 3

(3) سورة آل عمران: 190-193

(4) سورة العاديات: 8

(5) سير أعلام النبلاء: 2/338

(6) سورة الكهف: 46

(7) سورة العنكبوت: 64

(8) انظر"طبقات ابن سعد": (7/392) "المستدرك"للحاكم: (3/337)

(9) انظر"الإصابة": 3/45.

(11) سورة يس: 65

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت