فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
بما أن من سنة الله عز وجل ابتلاء أوليائه بأعدائه ؛ ليبلي المؤمن بلاء حسنا ، فإن مما يثبت به الله عباده المؤمنين ودعاته الصادقين أن يرزقهم الإنابة إلى دار الخلود رجاء ثواب الله عز وجل، وأن الله تعالى ليس بغافل عن الظالمين ، فهناك يوم القصاص الأعظم ، وذكر هذا اليوم مما يصبّر به الله سبحانه دعاته المصلحين ، وكلما كان ذكر هذا اليوم العظيم في قلوب الدعاة أكثر، كلما كان صبرهم وتضحيتهم أعظم وأكبر ، وهذا يقود إلى مسألة أخرى ، وهي: أن ينتبه أهل الخير والإصلاح إلى دور اليوم الآخر والتذكير به دائمًا في تربية النفوس وتهذيبها، وأن يعنوا به عناية كبيرة في البرامج التعليمية والمناهج الدعوية ، بل ينبغي أن تربط جميع المناهج على اختلافها باليوم الآخر وأعمال القلوب حتى يكون للمناهج أثرها العملي والتعبدي والأخلاقي، وينبغي ألا يلتفت إلى من يقلل من شأن الحديث في اليوم الآخر والوعظ بأيامه وأهواله بحجة أنه كلام وعظي أو عاطفي أو إنشائي ؛ فهذا غلط كبير وتفريط عظيم في رافد عظيم من روافد التربية والتزكية .
هذا وإن كان قصد ذلك المقلل الإشارة إلى أهمية العلم والتأصيل والاستدلال وليس هو التهوين من ذلك اليوم العظيم ، إلا أنه ينبغي التنبيه على أن العلم والتأصيل والاستدلال ينبغي أن يربط ذلك كله بتعظيم الله عز وجل وعبادته والاستعداد بالعلم والعمل للدار الآخرة ، وهذا لا يتأتى إلا أن يقوم أهل العلم والتوجيه والإرشاد إلى صبغ دروسهم وحلقات تعليمهم بهذا الأمر سواء أكان العلم في العقيدة ، أو في الفقه وأصوله ، أو الحديث ومصطلحه ، أو السيرة والتاريخ .. إلخ .
ثانيًا: الفئة المفسدة الداعية إلى الشر والصادة عن الخير:
وهؤلاء هم سفلة المجتمع ، وهم أراذل الناس ؛ لأنهم خانوا ربهم ، وخانوا
أمتهم ، وظلموها ، وعرّضوا الناس للشقاء والنكد في الدنيا والعذاب الأليم في الآخرة، وهؤلاء هم الذين عناهم الله عز وجل في كتابه الكريم بقوله: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إلاَّ بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ) [الأنعام: 123] يقول الشيخ السعدي رحمه الله تعالى عند هذه الآية: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا) أي: الرؤساء الذين قد كبر جرمهم ،
واشتد طغيانهم (لِيَمْكُرُوا فِيهَا) بالخديعة والدعوة إلى سبيل الشيطان، ومحاربة الرسل وأتباعهم ، بالقول والفعل ، وإنما مكرهم وكيدهم يعود على أنفسهم ؛ لأنهم يمكرون ويمكر الله ، والله خير الماكرين .
وكذلك يجعل الله كبار أئمة الهدى وأفاضلهم يناضلون هؤلاء المجرمين ، ويردون عليهم أقوالهم ويجاهدونهم في سبيل الله ، ويسلكون بذلك السبل الموصلة إلى ذلك ، ويعينهم الله ، ويسدد رأيهم ، ويثبت أقدامهم ، ويداول الأيام بينهم وبين أعدائهم ، حتى يدول الأمر في عاقبته ، بنصرهم وظهورهم ، والعاقبة للمتقين) [2] وبهذه المناسبة أوجه الكلمات التالية لأهل هذه الفئة لعل الله (عز وجل) أن ينفعهم بها:
أذكركم بموعظة الله تعالى إذ يقول: (قُلْ إنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا) [سبأ: 46] ، فماذا عليكم لو قام كل فرد منكم مع نفسه أو مع صاحبه ، ثم فكرتم فيما أنتم عليه من فساد وصد عن سبيل الله (عز وجل) .
هل أنتم مقتنعون بما تفعلون ، وبما تتسببون به لأمتكم من الشرور ؟ وهل هذا يرضي الله (تعالى) ويجلب النعيم لكم في الآخرة ؟ إنكم إن قمتم لله عز وجل متجردين مثنى أو فرادى ، وفكرتم في ذلك فإن الجواب البدهي هو أن الفساد والإفساد لا يحبه الله عز وجل ، بل يمقته ويمقت أهله ، وسيأتي اليوم الذي يمقت فيه أهلُ الفساد أنفسَهم، ويتحسرون على ما فرطوا وضيعوا وأفسدوا وذلك في يوم
الحسرة ، حيث لا ينفع التحسر ولا التندم .
إن الذي يكره الخير وأهله ، وينشر الفساد ، ويصد عن سبيل الله تعالى إنما هو بين أمرين لا ثالث لهما: إما أنه لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر ، وما الحياة عنده إلا هذه الدنيا ، فهو يسعى ليجمع فيها ويظلم ويبطش؛ لأنه لا يرجو اليوم الآخر ولا يخافه ، فهذا كافر مرتد ، وإن كان يخفي هذا الكفر فهو منافق زنديق ، أو أنه يؤمن بالله واليوم الآخر ، لكن الدنيا وزخرفها ومناصبها أسكرت عقله ولبه ؛ فأصبح في غفلة شديدة عن الآخرة ونعيمها وعذابها حتى استمرأ الفساد، وصارت الدنيا أكبر همه يلهث وراءها، ويجمع حطامها ولو كان عن طريق الفساد والإفساد ، ومثل هذا الذي يؤمن بالآخرة ولكنه في غفلة شديدة عنها، مثل هذا لا عقل له ، كما أن الأول لا إيمان له ، وقد يخسر إيمانه في النهاية ، والحاصل أن تتداركوا ما بقي من عمركم في التوبة إلى الله عز وجل قبل حلول الأجل ، حيث لا ينفع الندم، واعتبروا بمن ذهب ممن هو على شاكلتكم بدون توبة، وماذا بقي له من الذكر في
هذه الحياة الدنيا .