فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وأنا أقول وكلي أسف بأن هذا الوضع نفسه كان سائدًا في أنحاء عديدة من العالم في الماضي ولا يزال سائدًا. واعتبارًا من المواجهة الأولى للغرب مع المسلمين اتخذ الغرب - تحت تأثير وتحريض بعض رؤسائهم الدينيين- موقفا عدائيا قبيحا وغير مبرر يشبه الموقف الذي اتخذه الأعداء تجاه السيد المسيح (عليه السلام) . فقاموا بمحاولة سحق منتسبي هذا الدين الجديد بل مسحهم من التاريخ، فرتبوا الحروب الصليبية وشنوها عليهم، وهاجموا هؤلاء المظلومين في عقر دارهم. فعلوا هذا في عهد لم تنمسح فيه بعد آثار ما فعله الرومانيون بهم من الظلم والقهر. آه... آه من هذا التعصب البغيض القاتل!.. وهل يمكن تبرير وتفسير ذلك الاحتلال للأراضي والاعتداءات مع رسالة الحب للسيد المسيح (عليه السلام) ؟ ثم نتساءل هل كان هناك ما يبرر ذلك الهجوم الوحشي والاعتداءات تبريرًا معقولًا أمام التاريخ؟ وأليس غريبًا أن ترتكب كل هذه الموبقات باسم الدين (فهذا هو السبب الرئيسي المعلن) وفي ظل رايته؟ طبعًا كان ذلك غريبًا. والأغرب من هذا أن كل هذه الموبقات قد ارتكبت باسم السيد المسيح (عليه السلام) الذي كانت الرحمة والمحبة هو لب وخلاصة رسالته.
ويا ليت هذا الإكراه ضد الدين والإيمان وحرية الضمير قد بقي ضمن هذه الحدود ولكن هيهات... هيهات!.. لقد تحولت الدنيا في عصور التاريخ إلى مرجل يغلي بشكل خفي بالفتن، ولم يظهر أي تسامح مع أي اختلاف في الفكر أو الفلسفة أو الدين بل كانت قاسية جدًا معه. ونحن لا نعلم بماذا كانت الجماهير تفكر في هذا الهرج والمرج، ولكن لا يوجد أي شك في ظلم الحكام ورجال الدولة وتحكمهم وتسلطهم وجورهم وتعصبهم، فمنذ أن أصبحت المسيحية دين دولة قام الحكام - باسم المسيح (عليه السلام) - بإعدام كل معارض لهم وقتله، ولم يحترموا على الإطلاق رسالة المسيح (عليه السلام) المفعمة بالحب والرحمة واللين والتسامح والعفو والصفح. وخلقت كل زمرة وكل طائفة أعداءً معارضين لها، وقامت بظلم وتصفية كل فهم أو تفسير يخالفها وبتصفية كل معارضة فكرية تحت ذريعة وباسم السيد المسيح (عليه السلام) وبدعوى حبه. وتوهموا أنهم بجرائمهم تلك سيرضون المسيح (عليه السلام) وسيدخلون الجنة. ويمكن القول بأنه لا تزال هناك حتى الآن بقايا من هذا النمط من الفهم.
حتى جاء يوم دفعت فيه كل هذه الأعمال والفتن بعض رجال العلم والفلسفة إلى عمل شيءما. وكان محور حركة هؤلاء ونشاطهم أن أي دين منزل من قبل الله تعالى لا يمكن أن يأمر الناس بقتل بعضهم البعض، لذا يجب إيقاف هذا الأمر، وإنهاء مثل هذا التعصب الظالم باسم الدين وذلك بحركة تغيير وإصلاح (reform) أو بتغيير في شكل إدارة الدولة. وفي النهاية نجحوا في هذا الأمر بدرجة معينة، حيث تتابعت حركات التغيير والإصلاح من جانب، ومن جانب آخر انسحب كل من الدين والعلم (اللذين كانا في خصام دائم) كل إلى حدوده وساحته، وتأسس نوع من التفاهم بينهما. كما تمت خطوات كبيرة في موضوع فصل الدين عن الدولة. وهنا بدأ الحديث عن حرية الفكر والعقيدة. ولكن تم هنا شيء آخر فقد سادت القوانين الوضعية واحتلت مكان القوانين الإلهية. وهكذا تقلص أثر الدين وانسحب إلى قلوب وضمائر منتسبيه مثل أي نظرية أخرى.
بينما العقيدة الدينية تمثل الدين نفسه، لذا لا يمكن حبسه ضمن حدود تقررها أيدولوجية معينة أو نظام حقوقي معين، بل يجب مراعاة أحكامه حسب الأسس التي وضعها الله تعالى وضمن اطارها، وبهذا فقط يستطيع الدين المحافظة على سماويته، ويمكن آنذاك فقط إطلاق اسم"الدين"عليه.
أجل!.. إن الحرية الدينية بجانب كونها حرية ضمير إلا أنها عبارة أيضًا عن العيش حسب الأسس التي نعتقد أنها جاءت وأنزلت من قبل الله تعالى، وعبارة عن حرية كل إنسان في تبليغ هذه الأسس قولًا وكتابة إلى الآخرين، وعدم وجود أي قيود أو موانع بأي شكل من الأشكال ضد هذه الحرية. ولكن إن وجد ولو بشكل جزئي أي قيد أو مانع أمام قيام الناس بالعيش حسب أسسهم الدينية أو وضع حدود في هذا الأمر فلا توجد آنذاك حرية الدين في ذلك البلد ولا يمكن الحديث عنها أبدًا.