فهرس الكتاب

الصفحة 26409 من 27345

وإن عندي من أخبار تجَّار السرقات الكثير لو تركت للقلم المجال، فلو علِم بها كُتَّاب المقامات لرأوا فيها مادَّتهم التي ينشدون وبُغيتهم التي إليها يتطلَّعون ،ولأغنتهم عن كثير من التخيُّلات، وهي تجارة تتستَّر بالظلام شأنها التحايل في الارتزاق،لِتُفسِدَ أسواق العلوم:

قد تَجِرَت في سوقنا عقربٌ ***لا مرحباً بالعقرب التَّاجرة

والتاريخ يُنَبِّهنا إلى أجلى مظاهر الرُّقِيّ في الأمم وهو قوَّة التعليم ونَفَاق سوقه وجودة التأليف فيه ، فهما معياران دقيقان بهما يُقاس تقدُّم الأمم ورُقيُّها، وهما أمران يَفرضان على المجتمع عُقولاً منفتحةً مستنيرة تُغالب الجهل وظُلمته .

ومن هنا كان لزاماً علينا أن ينفر في كل قطر من بلادنا من ينهض بشأن التعليم ، ويجب على الجامعات في بلادنا أن تهتم بذلك و أن تتميَّز بجودة الأبحاث والسَّبق فيها ، وأن تبني طلاَّبها وتحصِّنهم بالعلم والرحلة في طلبه حتى يَرتاضوا الأبحاث الجادة والمبتكرة .

وإن مِن أسباب حِفْظِ العلم أن يسير وفق منهج علمي صحيح له خطة مرسومة وغاية منشودة ، لا يورث الباحث شعوراً بعبث موقفه بحيث تتقطَّع أمامه سبل الطلب ، فتسرق منه أبحاثه وتُنسب لغيره ،ولا يجد من ينتصر له ويُنصفه في مظلمته ، فلا يرى معنىً لقول الشاعر:

يا من يحاول بالأماني رتبتي *** كم بين منخفضٍ وآخر راقي

أأبِيتُ ليلي ساهراً وتُضيعُهُ *** نوماً وتأمل بعد ذاك لحاقي

وإني أقول: إذا حرُم علينا في أسواق المنافع الحسية أو ما يسمونها أسواق المال كل بيع ينطوي على غبنٍ أو غررٍ أو غشٍ ، ولم يُبَح لنا تبادل المنافع إلا عبر أبواب العقود الصحيحة المعتبرة التي لا تعود على أصل التبادل وفائدته بالإبطال ، فكيف يحلُّ لنا في أسواق العلوم تبادل المعلومات والخبرات ونقلها عبر وسائل تعود على أصل العلم بالفساد وترجع على سوق العلم بالاختلال الذي يَقْعُد بالباحثين عن الارتقاء بالعلم وحسن التأليف فيه ويزيل من النفوس طموحها .

ولقد أحسنت دار المجد بالرياض حين أنشأت مشروعاً عنوانه: ( موسوعة السرقات الأدبية ) . فمنذ سنة تقريباً أهدى إليَّ أخي الفاضل الأستاذ عادل الماجد المدير التنفيذي لهذه الدار ملفاً حول فكرة الموسوعة وأهميتها في إِدارة المعلومات بين الباحثين وحرص القائمين عليها على التثبت من جميع ما يحصلون عليه من معلومات ، وأكَّد لي أن لديهم ضوابط واضحة تكوِّن معياراً دقيقاً تقاس به مواد الموسوعة ، وهي دليل نُبْل مَقصدهم من إنشاء هذه الموسوعة .

ففكرة الموسوعة تدخل ضمن وظيفة الحسبة فهي عمل مشكور ومأجور وشجاع ، غايتها التي ترمي إليها تتبَّع من يتكسَّب بالحرام ، من مختلسٍ أو لصٍّ ، لِيَنْكفَّ عن هذه الصَّنعة المشينة و الفعلة المهينة ، ووسيلة الموسوعة لِتحقيق هذه الغاية الطواف في أسواق العلوم بصُنُوفها المختلفة ومراقبتها بل وتفتيشها إن لزم الأمر لِلكشف عن سائر صور المتاجرة المحرَّمة من سرقة أو غش أو تدليس أو غير ذلك . ومن ثم إبراز الحقائق بنسبة الأقوال إلى أصحابها .

من هنا فإني أرى أن تبادر جامعاتنا إلى مدِّ يد العون لهذا المشروع بما تستطيعه من دعم مالي ومعنوي ، فهو يخدم رسالتها ،و يحفظ حقوق الباحثين فيها، وهو كذلك عمل تحتاجه الأمة فلا ينبغي أن يوكل شأنه لِفرد أو لِمؤسسة بمفردها .

وقد ذكر لي الأستاذ عادل أن عددا من الرسائل الهاتفية والكتابية وصلت إليهم طمعاً في التستر على أصحابها وفي عدم فضيحتهم بأساليب غير لائقة ، وهذه الأساليب منشؤها أَنفُسٌ مريضة انطبعت في مرآتها زخارف الدنيا وزينتها تحتاج إلى معالجتها بالنصح والإرشاد والتعليم والترقِّي بالنفوس بتزكيتها وتطهيرها .

ولا يُشكل على عمل الموسوعة أن الشرع الحنيف أمر بالستر على عورات الناس وندب إلى ذلك في عموم أحوال الناس ، وعَدَّ الكشف عن عوراتهم والتشهير بهم صورة من صور العدوان على الغير .

ذلك أن الكشف عن أحوال هؤلاء كما قال العلماء ليس من الغيبة المحرَّمة بل من النَّصيحة الواجبة وهذا محلُّ إجماع من المسلمين كما قال النووي رحمه الله، باعتبار أن تطهير الأرض من هذه المعاصي وإخلائها من هذه المفاسد أمرٌ مطلوب شرعاً ولا يتحقق هذا المطلوب بترك هؤلاء يتمادون في غيِّهم .ثم إن إظهار هؤلاء والتشهير بهم يعود ضرره بالفضيحة على أشخاصهم دون غيرهم ، أما السترعليهم وتركهم يعيثون ويُفسدون فإنه يهدم مصلحة عامة فالمتضرِّر منه سائر أفراد المجتمع، والحفاظ على المصلحة العامة مقدَّم على الحفاظ على مصلحة خاصة بفرد أو بأفراد مخصوصين.

نعم ذكر علماؤنا رحمهم الله أدباً هو عنوانٌ لما يتمتعون به من دِقَّة علمية فائقة ومن خلق سامٍ وذوق رفيع بحيث لا يطغى أحدهما على الآخر ، فقالوا فيمن يشهد على السرقة: ( يجب أن يقول-أي الشاهد حين يقف أمام القاضي للشهادة-: أَخَذَ ، إحياءً لِحَقِّ المسروق منه ، ولا يقول:سَرَقَ ، محافظةً على الستر )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت