16)ويتبعه الوعد الكريم من الرب الرحيم (وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى) أي: ورزق ربك وثوابه خير لك مما متعناهم به وأدوم; حيث لا انقطاع له ولا نفاد.
17)ويأت الأمر بقول الله - تعالى: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا) والمعنى: وَأْمُرْ - أيها النبي - أهلك بالصلاة، واصطبر على أدائها، والأمر أبلغ وأعظم من مجرد الأمر بالصبر.
18)ولعلمه - سبحانه - بخفايا النفوس وما يشغل العبد عن طاعة الرب قال: (لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى) أي لا نسألك مالا، نحن نرزقك ونعطيك. والعاقبة الصالحة في الدنيا والآخرة لأهل التقوى.
19)ثم يأتي تبيين قول المكذبين (وَقَالُوا لَوْلا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى) أي وقال مكذبوك - أيها الرسول: هلا تأتينا بعلامة من ربك تدلُّ على صدقك، أولم يأتهم هذا القرآن المصدق لما في الكتب السابقة من الحق؟
20)ثم جاء التهديد والوعيد والتذكير في قوله - تعالى: (وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى) أي: ولو أنَّا أهلكنا هؤلاء المكذبين بعذاب من قبل أن نرسل إليهم رسولا وننزل عليهم كتابًا لقالوا: ربنا هلا أرسلت إلينا رسولا من عندك، فنصدقه، ونتبع آياتك وشرعك، مِن قبل أن نَذلَّ ونَخزى بعذابك.
21)وتختم السورة بقوله- تبارك وتعالى: (قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا) أي: قل - أيها الرسول - لهؤلاء المشركين بالله: كل منا ومنكم منتظر دوائر الزمان، ولمن يكون لنصر والفلاح، فانتظروا، (فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى) مَن أهل الطريق المستقيم، ومَن المهتدي للحق منا ومنكم؟
22)ويلاحظ المتدبر لمطلع السورة وختامها أن جو السورة من مطلعها إلى ختامها خطاب رخي شجي ندي بذلك المد الذاهب مع الألف المقصورة في فواصل وتذييل الآيات كلها تقريبا.
23)يقول الطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير: وقد جاءت خاتمة هذه السورة كأبلغ خواتم الكلام لإيذانها بانتهاء المحاجة وانطواء بساط المقارعة. ومن محاسنها: أن فيها شبيه رد العجز على الصدر لأنها تنظر إلى فاتحة السورة. وهي قوله (ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى إلا تذكرة لمن يخشى) لأن الخاتمة تدل على أنه قد بلغ كل ما بعث به من الإرشاد والاستدلال، فإذا لم يهتدوا به فكفاه انثلاج صدر أنه أدى الرسالة والتذكرة فلم يكونوا من أهل الخشية فتركهم وضلالهم حتى يتبين لهم أنه الحق.