السادس:السبق,وهو إما في الزمان باعتبار الإيجاد؛كتقديم الليل على النهار,والظلمات على النور,وآدم على نوح ,ونوح على إبراهيم ,وإبراهيم على موسى ,وهو على عيسى,وداوود على سليمان ,والملائكة على البشر في قوله:) اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاس ( [الحج:75] والأزواج على الذرية في قوله:) قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِك ( [الأحزاب:59] والسنة على النوم في قوله:) لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ ( [البقرة:255] أو باعتبار الإنزال,كقوله:) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ( [الأعلى:19] ) وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَان ( [آل عمران:3،4] أو باعتبار الوجوب والتكليف،نحو:) ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا( [الحج:77]
أو بالذات,نحو:) مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ ( [المجادلة:7] وأما قوله:) أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى( [سبأ:46] فللحث على الجماعة والاجتماع على الخير.
السابع:السببية؛كتقديم العزيز على الحكيم؛لأنه عز فحكم .والعليم عليه؛لأن الإحكام والإتقان ناشئ عن العلم.ومنه تقديم العبادة على الاستعانة في سورة الفاتحة ؛لأنها سبب حصول الإعانة .وكذا قوله:) إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ( [البقرة:222] لأن التوبة سبب للطهارة
الثامن:الكثرة,كقوله:) فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِن ( [التغابن:2] لأن الكفار أكثر(5) ,قلت فقدمهم على المؤمنين.قيل:وقدم السارق على السارقة؛لأن السرقة في الذكور أكثر.والزانية على الزاني فيهن أكثر. ونحو قوله:) أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُود ( [البقرة:125] فكل طائفة هي أقل من التي بعدها فتدرج من القلة إلى الكثرة. فالطائفون أقل من العاكفين لأن الطواف لا يكون إلا حول الكعبة. والعكوف يكون في المساجد عمومًا والعاكفون أقل من الراكعين لأن الركوع أي الصلاة تكون في كل أرض طاهرة أما العكوف فلا يكون إلا في المساجد . والراكعون أقل من الساجدين وذلك لأن لكل ركعة سجدتين ثم إن كل راكع لا بد أن يسجد وقد يكون سجودًا ليس فيه ركوع كسجود التلاوة وسجود الشكر فهو هنا تدرج من القلة إلى الكثرة. ولهذا التدرج سبب اقتضاه المقام فإن الكلام على بيت الله الحرام. قال تعالى:) وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُود( [البقرة:125] فالطائفون هم ألصق المذكورين بالبيت لأنهم يطوفون حوله، فبدأ بهم ثم تدرج إلى العاكفين في هذا البيت أو في بيوت الله عمومًا ثم الركع السجود الذين يتوجهون إلى هذا البيت في ركوعهم وسجودهم في كل الأرض.
ونحوه قوله تعالى:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ( [الحج:77] فبدأ بالركوع وهو أقل المذكورات ثم السجود وهو أكثر ثم عبادة الرب وهي أعمّ ثم فعل الخير.
وقد يكون الكلام بالعكس فيتدرج من الكثرة إلى القلة وذلك نحو قوله تعالى:) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ( [آل عمران:43] فبدأ بالقنوت وهو عموم العبادة ثم السجود وهو أخص وأقل من عموم العبادة التي هي القنوت ثم الركوع وهو أقل وأخص منهما.
التاسع:الترقي من الأدنى إلى الأعلى,كقوله:) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا....( [الأعراف:195] الآية.بدأ بالأدنى لغرض الترقي, لأن اليد أشرف من الرجل والعين أشرف من اليد والسمع أشرف من البصر.
العاشر:التدلي من الأعلى إلى الأدنى .كقوله:) لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ( [الكهف:49] ) لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْم( [البقرة:255] .
وزاد غيره أسبابًا أخر ؛منها كونه أدل على القدرة وأعجب ؛كقوله:) وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِن مَّاء فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( [النور:45] .وقوله:) وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ( [الأنبياء:79] .
قال الزمخشري: قدم الجبال على الطير ؛لأن تسخيرها له وتسبيحها له أعجب,وأدل على القدرة وأدخل في الإعجاز ؛لأنها جماد،والطير حيوان ناطق (6) .