فهرس الكتاب

الصفحة 5804 من 27345

وقد يكون التقديم لغرض آخر كالمدح والثناء والتعظيم والتحقير وغير ذلك من الأغراض، إلا أن الأكثر فيه أنه يفيد الاختصاص. ومن التقديم الذي لا يفيد الاختصاص قوله تعالى:) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ ( [الأنعام:84] فهذا ليس من باب التخصيص إذ ليس معناه أننا ما هدينا إلا نوحًا وإنما هو من باب المدح والثناء. ونحو قوله:) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ ( [الضحى:9,10] إذ ليس المقصود به جواز قهر غير اليتيم ونهر غير السائل وإنما هو من باب التوجيه فإن اليتيم ضعيف وكذلك السائل وهما مظنة القهر فقدمهما للاهتمام بشأنهما والتوجيه إلى عدم استضعافهما(7) .

استثناء من الاطراد:

مر بنا أن التقديم والتأخير جاء في القرآن لأسباب قد بيناها وهي تكاد أن تكون قواعد مطردة ولكن قد تشذ تلك القواعد شيئًا بسيطًا عن الاطراد المعهود, سنبينها باختصار مع بيان أسباب ذلك:فقد قدم هارون على موسى في سورة طه رعاية للفاصلة لأن المعهود المطرد تقديم موسى على هارون, وأما تقديم الأنعام في قوله:) تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُم ( [السجدة:27] فلأنه تقدم ذكر الزرع ,فناسب تقديم الأنعام ,بخلاف آية عبس فإنه تقدم فيها:) فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ( [عبس:24] فناسب تقديم لكم(8) .

وهكذا لو تقصينا الألفاظ التي تأخرت عن تقديمها المعهود لوجدنا الحكمة في ذلك واضحة جلية وليس المراد في هذا البحث استقصاء كل شاردة وواردة وإنما وضع لمسات بيانية يتضح منها المقصود علمًا أنني قد أوردت في ثنايا هذا البحث بعض تلك الاستثناءات تجدها في مضانها والله تعالى أعلم .

السمع قبل البصر:

ورد في القرآن الكريم لفظي السمع و البصر معًا ( 19) تسعة عشر مرةً ، و ذكر في (17) سبعة عشر موضعًا لفظة السمع قبل البصر وقد بينا في أسباب التقديم والتأخير أن من بينها (التشريف) أي أن الله سبحانه قدم لفظة السمع على البصر لشرف السمع وأهميته ولا يخفى على أحد ممن تدبر وتأمل في هذه الحاسة العجيبة ولكن لنرى ما يقوله أصحاب الاختصاص:

1 ـ تبدأ وظيفة السمع بالعمل قبل وظيفة الإبصار . فقد تبين أن الجنين يبدأ بالسمع في نهاية الحمل و قد تأكد العلماء من ذلك بإجراء بعض التجارب حيث أصدروا بعض الأصوات القوية بجانب امرأة حامل في آخر أيام حملها ، فتحرك الجنين استجابة لتلك الأصوات ، بينما لا تبدأ عملية الإبصار إلا بعد الولادة بأيام قال تعالى:) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا( [الإنسان:2]

2-ومن الحقائق التي تجعل السمع أكبر أهمية من البصر هي أن تعلم النطق يتم عن طريق السمع بالدرجة الأولى ، وإذا ولد الإنسان وهو أصم ، فإنه يصعب عليه الانسجام مع المحيط الخارجي و يحدث لديه قصور عقلي وتردٍ في مدركاته وذهنه ووعيه . وهناك الكثير من الذين حرموا نعمة البصر وهم صغار أو منذ الولادة ومع ذلك فقد تعلموا درجة راقية من الإدراك والعلم حتى الإبداع ولكننا لم نسمع بأن هناك إنسانًا ولد وهو أصم ، أو فقد سمعه في سنوات عمره الأولى ثم ارتقى في سلم المعرفة . وذلك لأن التعلم والفهم يتعلقان لدرجة كبيرة بالسمع ، والذي يفقد سمعه قبل النطق لا ينطق .ولذلك ربطت الآية القرآنية العلم بالسمع أولًا ثم البصر فقال تعالى:)و الله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئًا و جعل لكم السمع و الأبصار و الأفئدة لعلكم تشكرون ( [النحل:78] .

3 ـ العين مسئولة عن وظيفة البصر أما الأذن فمسئولة عن وظيفة السمع والتوازن . و قد تكون العبرة في هذا الترتيب أكثر من ذلك. و الله أعلم بمراده (9) .

ويمكن أن يكون تقديم السمع على البصر لسبب آخر عدا الأفضلية وهو أن مدى السمع أقل من مدى الرؤية فقدم ذا المدى الأقل متدرجًا من القصر إلى الطول في المدى ولذا حين قال موسى في فرعون ) قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى ( [طه:45] قال الله تعالى:) قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ( [طه:46] فقدم السمع لأنه يوحي بالقرب إذ الذي يسمعك يكون في العادة قريبًا منك بخلاف الذي يراك فإنه قد يكون بعيدًا وإن كان الله لا يند عن سمعه شيء(10)

قلت وكذلك فإن السمع لا يمنعه الحاجز المادي من أداء عمله بخلاف البصر فإنه تمنعه الحواجز من إدراك الأشياء والله أعلم .

السمع قبل العلم:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت