فهرس الكتاب

الصفحة 5805 من 27345

وقع في القرآن الكريم تقدم السمع على العلم كذلك كقوله تعالى:) وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( [البقرة:137] وقوله:) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( [الأنفال:61] وذلك أنه خبر يتضمن التخويف والتهديد. فبدأ بالسمع لتعلقه بالأصوات وهمس الحركات فإن من سمع حسك وخفي صوتك أقرب إليك في العادة ممن يقال لك: إنه يعلم وإن كان علمه تعالى متعلقًا بما ظهر وبطن وواقعًا على ما قرب وشطن. ولكن ذكر السميع أوقع في باب التخويف من ذكر العليم فهو أولى بالتقديم.ويمكن أن يقال: إن السمع من وسائل العلم فهو يسبقه.(11)

نماذج من بلاغة القرآن:

1-نقرأ في وصف المنافقين , وفي وصف الكافرين ,هاتين الآيتين من سورة البقرة )صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ ( [البقرة:18] ) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ( [البقرة:171] وتقديم الصم , هنا جاء في غاية الإحكام , لأن بداية ضلال أولئك الأقوام , حينما أصاخوا بسمعهم عن آيات الله التي تتلى عليهم .

ونقرأ في مشهد من مشاهد يوم القيامة عن أولئك الذين ضلوا سواء السبيل )وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمّا ( [الإسراء:97] لقد تغيرت الصورة هنا . لذلك تغير معها نسق القول , ذلك لأن السماع لم ينفع أولئك الناس يوم القيامة شيئًا ولا يعود عليهم بخير , ثم إن العمى هو من أشد الأمور مشقة وأكثرها صعوبة عليهم في ذلك اليوم(12) .

2-تحدث القرآن الكريم في آيات كثيرة عن الجن والإنس , ولكن الذي يلفت الانتباه , ما نجده في النظم القرآني البديع , من تقديم الجن تارة , وتقديم الإنس أخرى , وهذا ما يستدعيه السياق , وتوجيه الحكمة البيانية , ففي سياق التحدي بالقرآن الكريم , يقدم الإنس على الجن , لأن الإنس هم المقصودون بالتحدي أولًا وقبل كل شيء , قال تعالى:) قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرا( [الإسراء:88]

أما في سياق التحدي بالنفوذ من أقطار السموات والأرض , فلقد قدم الجن؛ لأنهم أقدر على الحركة من الإنس.

قال تعالى:) يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ ( [الرحمن:33] والدليل على أن الجن أقدر من الإنس في مجال الحركة هو قوله تعالى في سورة الجن:) وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا* وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا( [الجن 8 ـ 9] .

أما قوله سبحانه )وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُون ( [الذاريات:56] فلقد قدم الجن على الإنس ؛ لأنه قد روعي السبق الزمني , فإن الجن مخلوقون قبل الإنس(13)

قلت: والدليل على أن الجن مخلوقون قبل الإنس قوله تعالى:) وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ*وَالْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ( [الحجر:26,27]

3 -تقديم لفظ الضرر على النفع وبالعكس:حيث تقدم النفع على الضر فلتقدم ما يتضمن النفع. قال تعالى:) قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللّه ( [الأعراف:188] فقدم النفع على الضرر وذلك لأنه تقدمه قوله:) مَن يَهْدِ اللّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ( [الأعراف:178] فقدم الهداية على الضلال وبعد ذلك قال:) وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ( [الأعراف:188] فقدم الخير على السوء ولذا قدم النفع على الضرر إذ هو المناسب للسياق.

وقال تعالى:) قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا إِلاَّ مَا شَاء اللّه ( [يونس:49] فقدم الضرر على النفع وقد قال قبل هذه الآية:) وَلَوْ يُعَجِّلُ اللّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ( [يونس:11] وقال:) وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ( [يونس:12] فقدم الضر على النفع في الآيتين . ويأتي بعد هذه الآية قوله:) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُون ( [يونس:50] فكان المناسب تقديم الضرر على النفع ههنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت