آه..!! ماذا كان الإمام النووي يقوله لو بُعث حيًا في «مصرنا المحروسة» , وهو يري «الخديوي» فاروق حسني -وزير الثقافة- ينفق من أموال الشعب مائة وسبعين مليون جنيه في ليلة واحدة.. ليلة استهلال الألفية الثالثة? وماذا يقول وهو يري الحفلات الباذخة التي تكلفت عشرات الملايين بمناسبة اليوبيل الفضي «للميمونة» -أي ثورة 1952-? وماذا يقول في أحد المحافظين ذلك الذي -كما يُروي- كلف حجرة مكتبه في محافظته ثمانية ملايين من الجنيهات? وماذا يقول في التبذير الجنوني في الإنفاق علي البرامج الإعلامية المستنقعية الساقطة? واستراحات الكبار? وفلل القادة وقصورهم? والرحلات الخارجية, والمليارات المنهوبة من البنوك والشركات, في شعب يعاني الفقر والمرض والجهل, والبطالة, والعنوسة, وفيه من أهل القاهرة ثلاثة ملايين من «الأحياء» يعيشون في المقابر!!
آراء وفتاوي.. «مضروبة»
وإذا كان العلماء هم ورثة الأنبياء, فإنما هم العلماء الذين آثروا الآجلة علي العاجلة.. وقصدوا بآرائهم وفتاواهم وجه الله, ومصلحة الدين والمجتمع.. دونما خوف أو طمع.. وإذا كانت الأشياء تتميز بأضدادها, فمن حق القارئ علينا أن نورد صورًا من آراء وفتاوي أعتبرها شاذة, خارجة متمردة علي القيم والفكر السديد. وأنبه هنا إلي أننا لا نقصد بنقدنا «القائل» بل نقصد «المقول» بصرف النظر عن شخصية صاحب الرأي أو الفتوي, وبصرف النظر عن موقعه الوظيفي.
في أهرام الجمعة 9/8/2002 يسأل صحفي «الشيخ سيد طنطاوي» عن: رأي الدين في إقامة التماثيل للزعماء, وخصوصًا الزعماء المصريين الثلاثة عبد الناصر والسادات ومبارك? فكان نص إجابته: «إقامة التماثيل للزعماء عادة لبعض الأمم, وقد يكون الأفضل لتكريمهم أن توجه المبالغ التي تنفق عليها لإنشاء مؤسسات خيرية تحمل أسماء هؤلاء الزعماء. وإن كانت إقامة تماثيل لهم لا تؤدي إلي ما يمس العقيدة من إخلاص العبادة لله وحده, فلا بأس من إقامتها ولا حرمة في ذلك كلون من ألوان تكريم هؤلاء الزعماء الذين أدوا خدمات جليلة لأمتهم» لأن رؤية تماثيل هؤلاء الزعماء في كل وقت قد تؤدي إلي الاقتداء بهم في أن يؤدي كل إنسان رسالته بأمانة واستقامة وشرف».
ويسأله الصحفي: وهل إقامة التماثيل بهذا المعني الطيب لا تكون إلا بعد الرحيل? وكانت إجابة الشيخ: مع أن هذا الذي جري عليه العرف, إلا أنه لا فرق بين أن تقام هذه التماثيل للزعماء وهم في حياتهم, وبين أن تقام بعد فراقهم» فالعبرة بما تنطوي عليه من حكمة».
وفي إيجاز شديد أناقش هذا الرأي -أو الفتوي- الطنطاوية في النقاط الآتية:
1-التمثال الواحد يتكلف قرابة 15 مليون جنيه. ألا يعد هذا سفهًا وتبذيرًا في أمة الفقر والمرض والضياع?
2-أخطأ الشيخ إذ جعل استبدال المشروعات الخيرية بإقامة التماثيل من قبيل التفضيل «أو الأولوية» مع أنه فرض وواجب.
3-وهل عرف الأمم الأخري يُلزمنا -نحن المسلمين- وأنت تعلم أن من الأعراف ما هو صالح وفاسد?!
4-كيف تبيح -يا شيخ سيد- إقامة التماثيل في حياة أصحابها, ألا تعلم أن «المعاصرة حجاب» ? وهل ننسف التمثال إذا تحول صاحبه إلي عميل أو لص أو خائن?
5-وهل النظر إلي تمثال الزعيم يدفع إلي الاقتداء به في أعماله الطيبة الرائعة ? ألا يمكن أن يقوم العكس, ويبصق المواطنون علي تمثال حاكم ظالم مستبد تأخر بمسيرة الوطن ?
6-وإذا كان الشيخ مقتنعًا بفتواه هذه فلماذا لا يتبني دعوة لإقامة تماثيل للأفذاذ الأحياء, ومنهم طبعًا شيوخ علي رأسهم فضيلته?
... والشيخ الدكتور سيد طنطاوي -الذي يشغل وظيفة شيخ الأزهر- له تفسير ضخم يمكن أن يفيد منه تلاميذ المرحلة الإعدادية بالمعاهد الأزهرية, والتعليم العام, كما أن له مقالات أسبوعية في الأهرام وأخبار اليوم عن حديث القرآن عن الجريمة والعقاب, وحديثه عن النفاق والمنافقين, وأشهد أنها تتمتع بسطحية لا يستطيع أن يباريه فيها أحد. ويعلم اللّه أنني ما قرأت له كلمة, ولا سمعت منه عبارة في الإذاعة, وما رأيته «مفرودًا» في القنوات التلفازية المحلية والفضائية, إلا وترحمت علي كل شيوخ الأزهر السابقين. وهو ترحّم مشفوع بدعوة أوجهها إلي اللّه, ثم إلي كبار علماء المسلمين أن يكون اختيار شيخ الأزهر «بالانتخاب» لا التعيين.
وقد رأينا كيف أباح الشيخ إقامة التماثيل في الشوارع والميادين للزعماء, مع أنها تكلف الدولة -بل الشعب- مئات الملايين من الجنيهات, وهو الشعب الذي يسكن الملايين منه علي أسطح المقابر وينخر فيه المرض والفقر, ومشكلات لا تحصي ولا تعد.
أوّليَّات للشيخ لا تُنسي