فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وتبقى سلعة الله غالية ، تحثه على مزيد بذل وتضحية وفداء ؛ ( من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل. ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة ) . رواه الترمذي .
ثم أما بعد ...
أيها التاجر الداعي إلى الله: إن بيع النفس لله تعالى لتمسي وقفٌ عليه سبحانه ، من المعاني الراقية التي تزرع في جذر قلب الداعية إذ هو في بداية الطريق ، ومعرفته بأي الأسواق نشاطا وربحا تحدد له هدفه فلا يقع في تشتت وذهول ، ولا يزال مرتلا متصلا بالوحي الكريم حينا بحين ، فهو الحال المرتحل الذي لا يهجر الكتاب المبين ، ثم يمضي في سجوده وركوعه معمرا لبيوت الله ، تشهد له كلها ؛ أنه وعظ وتصدق ونصح وساهم وأفاد ، وهذه سجادة تشهد له بدموع سكبها عليها وتبللت بسببه ، ولن تبور تجارته ، لأنه يعرف دكانه ودكان دعوته ، ويعي من هم أصحاب الدكاكين الفاسدة وبضاعتهم المغشوشة ، فلن يبيع شيئا من نفسه ودعوته وإن ساوموه عليها .. هذه معاني أولية في سوق الدعوة .
غير أن الأمر لا يقف عند هذا الحد ، ولا يزال من باع نفسه واشترى الجنة أمام مزاحمات كبيرة في البيع والشراء ، يقدوها له الإمام العز بن عبد السلام ، سلطان العلماء ، وجهبذ القضاة ، الذي فقه ووعى وعلّم شعبا وأمة كاملة ، و فكّها من محتكري السوق الغشاشين ؛ قال الإمام السبكي:
( ذكر أن جماعة من أمراء المماليك ـ في عهد السلطان أيوب- لم يثبت عنده أنهم أحرار، وأن حكم الرق مستصحب عليهم لبيت مال المسلمين، فبلّغهم ذلك، فعظم الخطب عندهم فيه، واحتدم الأمر، والشيخ مصمم لا يصحح لهم بيعًا ولا شراءً ولا نكاحًا، وتعطلت مصالحهم بذلك، وكان من جملتهم نائب السلطنة، فاستشاط غضبًا، فاجتمعوا وأرسلوا إليه فقال: نعقد لكم مجلسًا وينادى عليكم لبيت مال المسلمين، ويحصل عتقكم بطريق شرعي.
فرفعوا الأمر إلى السلطان فبعث إليه فلم يرجع ـ عن قراره ـ ، فجرتْ من السلطان كلمة فيها غلطة حاصلها الإنكار على الشيخ في دخوله في هذا الأمر، وأنه لا يتعلق به، فغضب الشيخ وحمل حوائجه على حمار، وأركب عائلته على حمير أخر، ومشى خلفهم خارجًا من القاهرة قاصدًا نحو الشام، فلم يصل إلى نحو نصف بريد ـ ستة أميال ـ إلا وقد لحقه غالب المسلمين، لا سيما العلماء والصلحاء والتجار وأنحاؤهم.
فبلغ السلطان الخبر، وقيل له: متى راح ذهب ملكُك! فركب السلطان بنفسه ولحقه واسترضاه وطيب قلبه، فرجع واتقفوا معه أن ينادى على الأمراء (لبيعهم) .
فأرسل إليه نائب السلطنة بالملاطفة فلم يفد فيه، فانزعج النائب وقال: كيف ينادي علينا هذا الشيخ ويبيعنا ونحن ملوك الأرض؟ والله لأضربنه بسيفي هذا.
فركب بنفسه في جماعته وجاء إلى بيت الشيخ والسيف مسلول في يده، فطرق الباب، فخرج ولد الشيخ فرأى من نائب السلطنة ما رأى، فعاد إلى أبيه وشرح له الحال، فما اكترث لذلك ولا تغير .
وقال: يا ولدي! أبوك أقل من أن يُقتل في سبيل الله!
ثم خرج كأنه قضاء الله قد نزل على نائب السلطنة، فحين وقع بصره على النائب، يبست يدُ النائب وسقط السيف منها وأرعدت مفاصله فبكى، ويسأل الشيخ أن يدعو له، وقال: يا سيدي خبّر، إيش تعمل؟ قال الشيخ: أنادي عليكم وأبيعكم. قال: ففيم تصرف ثمننا؟ قال: في مصالح المسلمين. قال: من يقبضه؟ قال: أنا. فتمّ له ما أراد، ونادى على الأمراء واحدًا واحدًا وغالى في ثمنهم، وقبضه وصرفه في وجوه الخير ) . طبقات الشافعية الكبرى 8/216 .
أخي:
* إن جاه الدعوة يكون في عزتها وعزة رجالها ، الذين لا يجرؤ الحاكم أن يغلط معهم ، تلك العزة التي صورتها شخصية سلطان العلماء رحمه الله ، فما أن خرجت الكلمة وجرحت عزته حتى بدت القاهرة كلها وقد تغيرت .
* إن الداعي إلى الله لا يحده وطن ، فدين الله هو وطنه ، ولا يتشبث بمنصب أو جاه ، إلا لخدمة دين الله تعالى ، فما يفيد المنصب والقضاء والسلطان إن جرحت عزة الدعوة وطاهرتها ، ولم تمض نظرتها التي رأت .
* إن رصيد الداعي إلى الله هم الناس ، لا المناصب ولا الحكام ، رصيد الدعوة الحقيقي هم الشعب وجمهوره العريض ؛ فما أن خرج العز مغاضبا حتى خرجت القاهرة كلها تلحقه ، وخاف السلطان ورجع في قراره ، وأي دعوة وداعية بدون جمهور عريض من الناس يحبونه ويعزونه ويقفون معه في الموقف العصيب ، إن الدعوة التي لاتملك رصيدا مع الناس هي دعوة ذات كساد في تجارتها ، وذات صيت من غير رصيد حقيقي .
* إن السلطان يريد دائما أن يحصر نشاط الدعوة التجاري في ترتيل وسجود وقيام وبكاء ، ويستهجن إن هي قالت قولتها في أمور تتصل به وبسلطانه ومنفذي أوامره ، وقد يجد من يشيع له ويبرر قراراته وتوجيهاته ، ولكن لكن يكون للدعوة عزتها ، ولن يكون للداعي سمة"العز"بن عبد السلام ! .