وواقع رابع: وهو عدم الشفافية في بثّ المعلومات المتعلقة ببعض الشركات المساهمة، بحيث لا يطلع على الأخبار المؤثرة في أسهم تلك الشركات إلا أفراد معدودون أو بعض (الهوامير) بلهجة السوق، وربما كان لأحد أعضاء مجلس إدارة بعض الشركات أثر سلبي في هذا الواقع، فربما بثّ بعض المعلومات لأحد (الهوامير) لعرض شراء الأسهم قبل ارتفاع قيمتها السوقية، وربما كان ذلك لنسبة بينهما فيشتري الأسهم بثمن بخس على حين غفلة من بقية المساهمين، ثم يبيعها بعد ذلك بسعر غالٍ بعد أن تُحقّق ارتفاعًا بسبب ظهور تلك المعلومة، لعلمهم المسبق بارتفاع سقف الأسهم لتلك الشركة، أو بدمج هذه الشركة مع أخرى... إلخ، مما يؤثر إيجابًا في قيمة تلك الأسهم... وهكذا في سلسلة طويلة من اللعب والعبث بأموال المساهمين وممتلكاتهم، والتي ربما تكون يومًا ما سببًا في انهيار الأسهم، مما ينذر بخطر -لا قدر- على أموال أولئك المساهمين.
وهنا أوجّه ثلاث رسائل:
الأولى: إلى هيئة سوق المال، بأن تقوم من سباتها، وأن تؤدي واجبها في هذا السوق، فتلاحق أصحاب الطلبات والعروض الوهمية وتعاقبهم، وتمنع أسلوب التدوير، وتحاسب أصحاب الإشاعة، وتطالب بتحقيق مبدأ الشفافية في بث المعلومات المتعلقة بجميع الشركات؛ لأن الشركة لا تخص مساهمًا دون آخر، بل هي حق للجميع، كما عليها أن تراقب وتمنع كل ما من شأنه إلحاق الأذى بالمساهمين، وهنا أوجه رسالة بهذا الصدد، وهي أن صغار المساهمين يعانون تأخّر تنفيذ أوامر البيع والشراء؛ لأن البنوك والشركات تقوم بتسهيل هذه المهمة لكبار المساهمين دون صغارهم، فربما انخفضت القيمة السوقية لبعض الأسهم فلا يستطيع أولئك من بيع ما يخصهم من أسهم إلا بعد فوات الأوان، وهنا يجب تفعيل سرعة التداول بما يمكِّن الجميع من تحقيق نشاطهم على الوجه الأكمل، وبهذا يتحقق العدل بين جميع المساهمين صغارًا وكبارًا.
والرسالة الثالثة: إلى أولئك المساهمين أو المضاربين بأن يتقوا الله تعالى، فيجتنبوا الحرام في مساهماتهم ومضارباتهم، وألاّ تكون هذه التجارة سببًا في انحرافات سلوكية وأخلاقية تجاه باقي المساهمين، كما لا ينبغي أن تشغلهم عن الحقوق الواجبة عليهم تجاه أهلهم وأولادهم، أوعن ذكر الله تعالى وعن الصلاة (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ) [النور:36] والحقيقة أن هناك واقعًا مؤسفًا في انشغال الناس بهذه الأسهم، يصوره حال هذا الكاتب في إحدى المنتديات؛ إذ يقول بلهجته العامية:"أنا ابتعدت عن السوق، تعبت من متابعة الأسهم في فترة التداول، من الساعة الرابعة عصرًا إلى الواحدة ليلًا، وثاني شيء ما تقدر تشوف أهلك ولا ربعك، كل الوقت في المكتب، وممنوع أحد يدخل عليك، والأهم الكرسي اللي تجلس عليه، تصدق -يخاطب أحد القراء في منتدى الإمارات للأوراق المالية- أنا عندي ثلاث كراسي، كل ساعة أو ثلاث ساعات أبدل الكرسي، أحسّ ظهري بينكسر...!!"وهذه الصورة الواقعية أسوقها دون تعليق.
* أستاذ مساعد بالمعهد العالي للقضاء-الرياض