ولعله من المناسب الإشارة في هذا المقام، إلى أنّ فقهاء المسلمين يميلون إلى استعمال مصطلح"ولاية"عوضًا عن لفظ"سلطة"السائد في مجال الوظيفة العامة، ولعل مرد ذلك نفورهم مما ينطوي عليه لفظ"سلطة"من إيحاء بالتسلط، الذي يأباه نظام الإسلام بطبيعته، بكل معانيه من"طغيان أو استبداد"...الخ (10) . فالأشبه بروحه هو مصطلح الولاية أو"أولو الأمر"لما فيها من معنى الرعاية والاهتمام، فصاحب الولاية"وال"وراع"ومن يلي أمرهم"رعية"تقع عليه رعايتهم، وهذا ما أكده المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام بقوله:"كلكم راعٍ وكُلُّكُم مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَتِهِ فَالإمَامُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهلِ بَيتِهِ وَهوَ مَسئُولٌ عَنْ رَعِيَتِهِ، وَالمَرأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى أَهْلِ بَيتِ زَوجِهَا وَوَلَدِهِ وَهِيَ مَسئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَعَبْدُ الرَّجُلِ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِدِهِ وَهوَ مَسئُولٌ عَنْهُ، أَلاَ فَكُلْكُمْ رَاعٍ وَكُلْكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَتِهِ" (11) ، والراعي كما يقول"العلقمي"فيما نقله"المنذري"في حاشية"عون المعبود":"هو الحافظ، المؤتمن، المعتزم صلاح ما أؤتمن فيه، والقيام بمصالحه" (12) ."
ولا شك أنّ كل ولاية تستلزم"سلطانًا، أو قدرة ومُكنة، لإنفاذ القرارات والتأثير على المرؤوسين، وهذا ما يفهم من مثل قوله تعالى: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان) (13) وقوله: (إنما سلطانه على الذين يتولونه) (14) وقوله: (ومن قتل مظلومًا فقد جعلنا لوليه سلطانًا فلا يسرف في القتل) (15) . فسلطان ولي الدم، ليس مطلقًا، بل هو مقيد بعدم الإسراف في القتل وكذلك سلطان ولي الأمر، ومن يوليهم شؤون الأمة، بتطبيق أحكام الشرع (16) ."
ويبقى بعد ذلك مفهوم الولاية محتفظًا بتميزه في الدلالة على معنى"الرعاية والتوجيه"الذي يمثله روح الإسلام في العلاقة بين الراعي، والرعية أو الوالي ومن يلي أمرهم، فالولاية رعاية، ومسؤولية، وتجرُّد، وكفاية، وانضباط، وانفعال بما تتضمنه من دلالات وقيم أخلاقية (17) .
الوظيفة والموظف العام:
إن الموظف العام المنوط به الاضطلاع بأعباء تلك الولايات العامة، لا يقل أهمية عن الوظيفة نفسها. بل إنّ أهميته تزداد كلما تنوعت حاجات المجتمع وتعقدت أساليب العمل وتداخلت الاختصاصات وتشابكت المصالح وازداد الطلب على الولايات العامة وعلى نواتجها من السلع والخدمات والامتيازات ولاسيما بعد أن تجاوزت الدولة في العصر الحديث وظيفتها المألوفة إلى مباشرة مناشط اقتصادية واجتماعية وعملية تتنامى يومًا بعد يوم بهدف تحقيق رفاهية المجتمع وإشباع حاجاته المتطورة والمتعاظمة كمًا وكيفًا.
ومن هنا تتضح شدة الارتباط بين الوظيفة والموظف العام وبين الدولة وبنشاط الاجهزة الإدارية النوعية، ثم إنّ مفهوم الوظيفة العامة يختلف باختلاف مفهوم الدولة وأهدافها، وطبيعتها، ولكن رغم ذلك فهنالك قدر من التماثل في موقع الوظيفة العامة، ومكانتها في بنية الكيان التنظيمي للدولة، وفي أهمية كفاية الوظيفة والموظف العام، وإنّ الخلاف ربما ينحصر في درجة أهمية كل عنصر من عناصر الولاية العامة. ومستوى الكفاية المهنية والأخلاقية، تبعًا لاختلاف فلسفة نظام الدولة ولا سيما الدولة الإسلامية المرتكزة على مبدأ"الشرعية والمشروعية"وبين الدول الأخرى التي لا تعوِّل على"الدين"بمفهومه الشامل في الإسلام، الذي يربط بين الدنيا والآخرة، وبين الأرض والسماء، وبين العقيدة والعبادة، ويعتبر كل فعل للإنسان وجهًا من وجوه"التعبد"متى قصد به وجه الله تعالى. وعليه فيمكنه أن يتعبد من خلال إحسان أدائه لأعمال وظيفته، وتحقيقه الصالح العام وفق مقاصد الشرع وغاياته.
على أنّ معيار التفرقة بين نظام وآخر في هذا السياق هو مدى استناد الوظيفة العامة على مبدأ"الصلاحية"والفاعلية القائمة على معيار موضوعي منضبط لشغل تلك الولايات بالكفايات المؤهلة، لأجل ذلك انصب اهتمام الباحثين في هذا المجال على هذا المعيار وكيفية تحقيقه في واقع الحياة، وجعل القاعدة العلمية القائلة: (وضع الرجل المناسب في المكان المناسب) حقيقة ماثلة، وموجهًا لسياسة التوظيف. وهي القاعدة التي طبقها نظام الإسلام منذ أول عهده على نحو غير مسبوق، بينما لم تتوصل النظم الوضعية إلى نظام"الجدارة"إلاّ بعد سلسلة ممتدة من تاريخ التجربة والخطأ، انتقالًا من نظام احتكار الوظائف إلى نظام"الغنائم"وحتى نظام الجدارة.
ولعل هذه المحاولة في بحث موضوع"الصلاحية"للولايات العامة يعد إضافة لتجربة التأصيل التي يضطلع بها وطننا الحبيب في سبيل بسط الدين في الواقع الإنساني المعاصر، بتوظيف كل الإرث البشري النافع في خدمة الإنسان فإلى تفاصيل المحاولة.
الصلاحية للولايات العامة
أولًا: معنى الصلاحية العامة: