{كلا إن الإنسان ليطغى} [العلق: 6] إذا تجرد من التقوى طغى وبغى، وتمرد وعتى، فهو بلا دين مارد مهين، وهو بلا استقامة فاجر خوان، تجمح به نفسه، يغلبه هواه، يقوده طمعه، يرديه جشعه، يسوقه شيطانه، تتلفه نفسه الأمارة. {أن رآه استغنى} [العلق: 7] إذا رأى نفسه استغنى بالمال بطر، وأشر، وأصر واستكبر، فتجده يختال بما أنعم الله عليه، فيجحد النعمة، وينسى الفضل، وينسب الخير لنفسه، ويمنع حق المال، ويتيه على العباد، ويعرض عن الطاعة، ويصد عن الهدى، الا من رحمه الله بتقوى، {إن إلى ربك الرجعى} [العلق: 8] المصير إلى العلي القدير، النهاية إلى الله، الغاية والعافية عند من لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد، هنالك يجازى من بغى وطغى، ومن تكبر وتجبر، هنالك يبعثر ما في القبور، ويحصل ما في الصدور، ويظهر المستور، ويبين أهل التقوى وأهل الفجور. {أرأيت الذي ينهى} [العلق: 9] انظر بعجب واستغرب إلى هذا المارد الكذاب، الذي يصد عن هدى الله، بعد ما أعرض عن دين الله. يا له من سيىء حقير، ومن نذل شرير، أما كفاه أن يكفر حتى وقف لعباد الله ينهى ويأمر. {عبدا إذا صلى} [العلق: 10] هو محمد صلى الله عليه وسلم، وذكر بالعبودية، لأنها أشرف المنازل، وأجل الصفات، وأحسن المناقب، وأجمل المدائح، وواجب هذا العبد، وكل عبد أن يصلي لله الملك الحق، فمن نهاه عن هذه الصلاة، فهو عدو لله لدود، وهو حسود كنود جحود. {أرأيت إن كان على الهدى} [العلق: 11] أرأيت أن كان صلى الله عليه وسلم على هدى من ربه، وهذا هو الحق، فإنه هو ومن اتبعه على دين قويم، وصراط مستقيم، فلا هدى إلا ما جاء به، ولا حق إلا ما كان عليه، ولا صواب إلا في شريعته، ولا نور إلا في رسالته، ولا حياة إلا في دينه، ولا نجاة إلا بسنته، ولا سعادة إلا في موكبه. {أو أمر بالتقوى} [العلق: 12] كل أوامره صلى الله عليه وسلم تقوى، كل نصائحه هدى، كل وصاياه حكم وفوائد، لا يأمر إلا بخير، ولا ينهى إلا عن شر، ولا يقول إلا صدقا، ولا يحكم إلا بحق، ولا يرد إلا باطلا {أرأيت إن كذب وتولى} [العلق: 13] أرأيت هذا الناهي إن كان كاذبا مكذبا بالحق، قد تولى عن الرشد، أمثله يأمر بخير؟ أمثله ينهى عن شر؟ هل هو أهل أن ينصح غيره؟ هل هو في مكان التوجيه والنصح والإرشاد؟ إنه متهم في دينه، زائغ في رشده، ضال في سعيه، مأفون في عقله، مظلم في نهجه، مريض في رأيه، {ألم يعلم بأن الله يرى} [العلق: 14] يكفي أنه يرى فيحاسب، ويطلع فيعاقب، وهذا أعظم تهديد، وأشد وعيد إذا كان يرى ذو البطش الشديد، والعذاب الأكيد، ويرى وكفى، يرى عمل الصالح فيثيبه، وكيد الكائد فيخزيه، وظلم الظالم فيجازيه، فحسبك به ناصرا ووليا، أنه يرى جل في علاه. {كلا لئن لم ينته لنسفعا بالناصية} [العلق: 15] قسما، لو لم يترك هذا الفاجر الكافر أفعاله السيئة، وأعماله القبيحة لنجرن بناصيته جرا، وهذا نهاية الإذلال، وغاية الإهانة، لأنه متكبر متجبر مناسب أن يصغر هكذا، ويذل علانية، فيجر كما تجر الدابة بناصيته، وهو موضع عتوه وجبروته، وكبره وغروره. {ناصية كاذبة خاطئة} [العلق: 16] ناصية لا تحتمل إلا الكذب والزور،البهتان والفجور، ناصية كلها معاص وذنوب، وخطايا وعيوب، ناصية هي رمز الخسة والنذالة، ومحل الوقاحة والعدوان، ناصية ما سجدت لله، ولا تشرفت بالخضوع له، وحملت دينه، لا عرفت كتابه، ولا استوعبت هداه. {فليدع ناديه} [العلق: 17] إذا حل به العذاب، ووقع به النكال، فليدع أعوانه وأنصاره، إن كان صادقا إن له ناديا وأنصارا ومحبين، وهذا تحد لهذا الذليل، فأي قوة مع قوة الله، وأي حول أو طول مع حوله وطوله؟ وأي جنود مع جنود الله؟ إن هذا الفاجر أذل وأقل وأحقر من أن ينصر، فهو مغلوب مخذول مهزوم. {سندع الزبانية} [العلق: 18] أن دعا أعوانه في ناديه، دعونا ملائكة غلاظا شدادا، أهل قوة وبطش، وقدرة وفتك، ليرى من أضعف ناصرا وأقل عددا، هؤلاء الزبانية مهيؤون له ولأمثاله، منحهم الله القوة، وأعطاهم المنعة، ورزقهم القدرة، لا تطاق مقاومتهم، ولا تستطاع مصاولتهم، لأنهم ملائكة وكفى، وجند من جنود الله وحسب. {كلا لا تطعه واسجد واقترب} [العلق: 19] لا توافق هذا المخذول، لا تلتفت إليه، لا تسمع كلامه، لا تنصت لمقاله، بل أسجد واقترب منا، واعبدنا، سجودك لنا عز لك، خضوعك لنا شرف لك، ذلك لنا رفعة لك، اقترب منا بالطاعة لنقترب منك بالمحبة والرعاية، والنصرة والولاية. أفضل طريق للقرب منا: السجود لنا وأجمل وسيلة لمحبتنا: عبادتن. واقترب لتكرم، ذل لتعز، اخضع لترفع.
الشيخ / عايض القرني