فهرس الكتاب

الصفحة 27268 من 27345

وهكذا سائر أعمال الحج تجري على هذا المنهج كما روى الترمذي في صحيحه عن عائشة أن النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ قال: » إنما جعل رمي الجمار والسعي بين الصفا والمروة لإقامة ذكر الله ــ عز وجل ــ يقول الله: » فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين ، ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم « ، وقال: » واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى «.

وقد حكى بعض العلماء الإجماع على أن الأيام المعدودات هي أيام التشريق الثلاثة: حادي عشر ـ ثاني عشر ـ ثالث عشر ، ويدل له حديث عبد الرحمن بن يعمر عند أحمد وأصحاب السنن الأربعة: » أن أناسا من أهل نجد جاءوا إلى رسول الله وهو واقف بعرفة فسألوا فأمر منادياً ينادي الحج عرفة من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك « ، وقال: وأيام منى ثلاثة أيام فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه ، وأمر رجلا ينادي بهن ليعرف الناس الحكم .

وذكر الله المأمور به في هذه الأيام المعدودات يشمل الذكر والتكبير في إدبار الصلوات والتكبير عند نحر النسك ، والتكبير والدعاء عند رمي الجمار ، فهذه كلها داخلة في عموم الذكر المأمور به في الأيام المعدودات ، وكان النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ يخص الجمرة الأولى والوسطى بتطويل الوقوف عندها للدعاء ويقف الناس معه صفوفا يدعون ويتضرعون كما في صحيح البخاري عن ابن عمر: » أنه كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات ، يكبر على إثر كل حصاة ثم يتقدم فيسهل فيستقبل القبلة ثم يدعو فيرفع يديه ويقوم طويلا ثم يرمي جمرة العقبة من بطن الوادي ولا يقف عندها، ثم يقول: هكذا رأيت رسول الله يفعل « وروى أبو داود » أن ابن عمر كان يدعو عند الجمار بدعائه الذي يدعو به بعرفة « ، وفي صحيح مسلم عن نبشة الهذلي أن النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ قال: » أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله عز وجل «.

وإنما خص الله الأمر بالذكر في هذه الأيام المعدودات من أجل أن الذكر هو روح الدين وإنما شرع الرمي للتذكير به ، وقد حكى بعض العلماء أنه إنما شرع الرمي حفظا للتكبير ، وقد تركه وكبر أجزأه ، رواه ابن جرير الطبري عن عائشة ، وإنما خص النبي ــ صلى الله عليه وسلم طول الوقوف عند الجمار للدعاء والتضرع حتى قيل أنه وقف بقدر سورة البقرة ، كله من أجل أن رمي الجمار ختام عمل الحج ، فهو يدعو ويتضرع بقبول عمله ، وكذلك أصحابه وقفوا صفوفاً يدعون ويتضرعون ، فهذا المشعر الذي شرع للدعاء والتضرع وللذكر والتكبير قد انقلب إلى تزاحم وتلاكم وتدافع وخطر على الأرواح كبير ، وصار الناس يذهبون إليها وهم متذمرون للمدافعة وقصد المغالبة ، يؤيد بعضهم بعضا وصار أكثر الناس لا يباشرون الرمي بأنفسهم خوفا على حياتهم ، وإنما يستنيبون الأقوياء الجلداء في الرمي عنهم وأكثرهم تقع جمارهم بعيدة عن الأحواض من أجل شدة الزحام والخوف من السقوط تحت الأقدام.

ومن شرط صحة الرمي العلم بحصول الجمار في المرمى ، كما نص على ذلك الفقهاء وليس كذلك الزحام في الطواف ، فإن الناس يسيرون فيه ولا يقفون ، وكل المسجد الحرام مجال للطواف وليس الطواف محصورا بوقت دون وقت ، بخلاف رمي الجمار ، فإن الجمع كثير وحوض المرمى صغير وزمن الرمي قصير ، وكل واحد يقف حتى يتمم رمي جماره واحدة بعد أخرى.

فهذا العمل بهذه الصفة قد أفضى بالناس إلى الحرج والضيق ، لكون هذا الوقت القصير

لا يسع أداء واجب الخلق الكثير.

ثم إن هذا التحديد بما بين الزوال إلى الغروب ليس له أصل لا من الكتاب ولا من السنة

ولا القياس ولا الإجماع ، فلا تجوز نسبة القبول به إلى الشرع أو إلى الدين، مع عدم ما يدل على صحته وصار الحكم بالإلزام به مستلزما للعجز عنه ، إذ هو من تكليف ما لا يستطاع » لا يكلف الله نفسا إلا وسعها «.

وفي الحديث أن النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ قال: » إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم « ، فلا يقول بالإلزام به في مثل هذا الزمان إلا من يحاول حطمة الناس وعدم رحمتهم:

وإذا شئت أن تعصى وإن كنت قادرا

فمر بالذي لا يستطاع من الأمر

تعاليم النبي

لأحكام الحج قولا منه وفعلا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت