فإذا استغرق العبد في الأماني بدون ضابطٍ من شرع وعجز عن تحقيق الأمنية , حسد من فوقه , وتعالى على من تحته وربما وقع في البغي .
فأول جريمة قتل وقعت بين بني الإنسان سببها الأمنية التي يصعب تحقيقها. وهي كما ذكر المفسرون: أن الله شرع لآدم أن يزوج بناته من بنيه لضرورة الحال , وكان يولد في كل بطن ذكر وأنثى , فكان يزوج أنثى هذا البطن لأنثى البطن الآخر , وكانت أخت هابيل دميمة , وأخت قابيل وضيئة , فتمناها وأراد أن يستأثر بها , فمنعه آدم إلا أن يُقَرِّبا قُربانا , فقربا , فتقبل من أحدهما , ولم يتقبل من الآخر كما ذكر الله قصتهما .
قال تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ (27) لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (29) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنْ الْخَاسِرِينَ (30) } ( 8)
فالأماني تورث عدم الرضى والسخط على أقدار الله عز وجل عند من لا إيمان له , بخلاف المؤمن الذي يعلم أن تقدير الأمور من عند الله سبحانه , وأن العبد لا ينال من الدنيا إلا ما قُدر له .
عَنْ صُهَيْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ , إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ , وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ . ( 9)
ولذلك إذا انشغل الإنسان بالخير , وأخذ أسبابه مع تمني الغاية في بلوغ مراده نال الأجر العظيم وبلَّغه الله فوق ما تمنى , ورضَّاه بما قُسِم له .
وقتك هو رصيدك ورأس مالك:-
فوقت الإنسان هو عمره في الحقيقة , وهو مادة حياته الأبدية في النعيم المقيم, ومادة المعيشة الضنك في العذاب الأليم, وهو يمر أسرع من مر السحاب, فما كان من وقته لله وبالله فهو حياته وعمره, وغير ذلك ليس محسوبا من حياته, وإن عاش فيه عاش حياة البهائم ,فإذا قطع وقته في الغفلة والسهو والأماني الباطلة , أو كان خير ما قطعه به النوم والبطالة , فموت هذا خير له من حياته , وإذا كان العبد وهو في الصلاة- ليس له من صلاته إلا ما عقل منها, فليس له من عمره إلا ما كان فيه بالله ولله.
فعمرك الذي هو رصيد عملك في هذه الحياة ,يأتي الشيطان فيضيعه عليك بالأماني الكاذبة,فإذا بالعبد يؤمل ويتمنى , حتى يهجم عليه الموت فيرى أنه أضاع دينه ودنياه.
ولذلك انظر إلى حال الشيطان مع أولياءه قال تعالى {.. وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَرِيدًا (117) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (118) وَلأضِلَّنَّهُمْ وَلأمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذْ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (119) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًًا (120) } ( 10)
انظر إلى قوله تعالى (يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ) ثم قال عز وجل (وَمَا يَعِدُهُمْ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا)
كم من أناس أقعدهم الوهم , وألهتهم الأماني , وشغلهم الأمل ؛ فضيعوا العمر بدون فائدة . فإذا الأماني والآمال كانت سرابا , وجاء الموت بغتة حين لا ينفع الندم.
وإليك هذا المثال الذي ضربه النبي صلى الله عليه وسلم للمتمني , والمؤمل , وهو غافل عن أنياب المنايا..
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: خَطَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطًّا مُرَبَّعًا ؛ وَخَطَّ خَطًّا فِي الْوَسَطِ خَارِجًا مِنْهُ ؛ وَخَطَّ خُطَطًا صِغَارًا إِلَى هَذَا الَّذِي فِي الْوَسَطِ مِنْ جَانِبِهِ الَّذِي فِي الْوَسَطِ . وَقَالَ: هَذَا الْإِنْسَانُ , وَهَذَا أَجَلُهُ مُحِيطٌ بِهِ أَوْ قَدْ أَحَاطَ بِهِ , وَهَذَا الَّذِي هُوَ خَارِجٌ أَمَلُهُ , وَهَذِهِ الْخُطَطُ الصِّغَارُ الْأَعْرَاضُ ؛ فَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا , وَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا.. (11 )