فأما التمني الذي هو من شيم المفلسين , ومن طباع البطالين , مما يرد من الخطرات والفكر, فإما وساوس شيطانية , وإما أماني باطلة , وخدع كاذبة , بمنزلة خواطر المصابين في عقولهم من السكارى , والمحشوشين , والموسوسين , فهذا هو الباطل بعينه ، فصاحبه لا نال لذةً في الدنيا , ولا نعيمًا في الآخرة .
قال الحسن البصري: إن الإيمان ليس بالتحلي ولا بالتمني , إن الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل . ( 12)
أما هؤلاء الذين أسرفوا على أنفسهم , وانقطعوا عن خالقهم وباريهم ؛ لسان حال هؤلاء يقول عند انكشاف الحقائق:
إِنْ كَانَ مَنْزِلَتي فِي الْحَشْرِ عِنْدَكُمُ
مَا قَدْ لَقِيتُ , فَقَدْ ضَيْعتُ أَيَّامِي
أُمْنِيَّةُ ظَفِرَتْ نَفْسِي بها زَمَنًا
والْيَوْمَ أَحْسَبُها أَضْغَاثَ أَحْلامِ
أخي الحبيب: اعلم أن الأماني بحر المفاليس , وأن المتمني قد يكون قاصر العقل , ضعيف الدين , ينظر إلى الحياة بمنظار قاصر ؛ فإذا عاين الحقيقة ندم علي ما تمنى كما وقع مع قوم قارون قال تعالى: {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الصَّابِرُونََ (80) } (13 )
لما نظر هؤلاء البسطاء الجهال الذين ينظرون إلى الدنيا بمنظار الساعة , وعين الحاضر , لما نظروا إلى المكانة التي تبوءها قارون ؛ انخلعت قلوبهم رغبًا للمكانة التي عليها , حتى قالوا: (يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ)
فإذا بهؤلاء الذي تمنوا مكانه ؛ لما خسف الله به , وبأمواله وبدوره , ندموا على ما تمنوا . فهم الذين تمنوا ! وهم الذين ندموا على الأمنية ! وهذا دلالة على قصور عقولهم , قال تعالى: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنْ المُنْتَصِرِينَ (81) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونََ (82) } (14 )
وكذلك ترى المنافقين لما عاشوا في حياتهم على الأماني الكاذبة واغتروا بها , حرموا أعظم نعمة ! نعمة الإيمان ؛ بل كان إيمانهم في الدنيا وميض سرعان ما ينطفئ حتى سلبوا النور بالكلية , وكذلك حالهم في الآخرة .
ألا تعلم أنهم لما حرموا النور يوم القيامة , بخلاف أهل الإيمان , كان من ضمن أسباب حرمانهم: استغراقهم في الأماني كما قال تعالى: {يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (13) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمْ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُُ (14) } ( 15)
وربما تتحقق للإنسان أمنيته من الدنيا , ولا يسعفه الوقت في استعمالها , أو لا يجد الصحة التي يقيم بها هذه المتع التي تمناها .
حُكي أن رجلا كان فقيرا في شبابه , وكان يتمنى المال , والعبيد , والجواريَ , والمتع ؛ فلما جاوز السبعين استغنى , وملك , واشترى العبيد الأتراك , والجواريَ من الروم وغيرها؛ فإذا العمرُ قد ولى , والصحة قد تلفت فقال هذه الأبيات:
ما كُنْتُ أَرْجوهُ إِذ كُنْتُ ابنَ عِشْرِينا
مَلَكْتُه بعد أن جاوزتُ iiسَبْعِينا
تَطُوفُ بي مِنَ التركِ iiأغزلةٌ
مثلُ الغصونِ على كثبانِ iiيَبْرِينا
وخُرْدٌ ( 16) من بناتِ الرومِ iiرَائِعةٌ
يَحْكيَن بالحُسْنِ حُورَ الجَنَةِ iiالعِينا
يَغْمِزْنَنِي بأساريعَ ( ii17) مُنَعَّمَةٍ
تكادُ تَعْقِدُ من أَطْرَافِها iiلِينا
يُرِدْنَ إِحْيَاءَ مَيْتٍ لا حِرَاكَ iiبِهِ
وكيف يُحْيِين مَيْتًَا صَارَ iiمَدْفُونا
قَالوا أَنِينُكَ طُولَ الليلِ iiيُسْهِرُنَا
فَمَا الذي تَشْتَكِي! قُلْتُ iiالثَّمَانينا
فانظر إلى حال هذا الرجل نال ما تمناه , فإذا أمانيه تحولت إلى عذاب! فما أشقى حال هؤلاء.