واعلم أن ورود الخاطر لا يضر ؛ وإنما يضر استدعاؤه , ومحادثته فالخاطر كالمار على الطريق فإن تركته مر , وانصرف عنك ؛ وإن استدعيته سحرك بحديثه , وخدعه , وغروره, وهو أخف شيء على النفس الفارغة الباطلة , وأثقل شيء على القلب والنفس الشريفة السماوية المطمئنة.فهناك نفوس تسبح عند العرش ، وهناك نفوس لا تتعدى الحش (18 ) .
وقد أحسن من قال:-
أَنْتَ يَا مَفْتُونُ مَا تَبْرَحَ فِي بَحْرِ iiالمَنَاِم
فَدَعِ السَّهْو وبَادِر مِثْل فِعْلِ iiالمُسْتَهِامِ
وَسُحِّ الدَّمْعَ عَلَى مَا iiأَسْلَفْتَهُ
وابْكِ ولا تَلْوِ عَلى عذلِ iiالملامِ
أَيُهَا اللَّائِمُ دَعْني لَسْتُ أُصْغِي iiللْمَلامِ
إِنَّنِي أَطْلُبُ مُلْكًا نَيْلُهُ صَعْبُ iiالَمَرامِ
في جِنَانِ الخُلْدِ والفِرْدَوْسِ في دَارِ السَّلامِ
وَعَرُوسًَا فَاقَتِ الشَّمْسَ مَعَ بَدْرِ iiالتَمَامِ
طَرْفُهَا يُشْرِقُ بالخَطِ مُضِيًا iiبالسِهَامِ
ولها صَدْغٌ على خَدٍ كَنُونٍ تحتَ iiلامِ
أحْسَنُ الأَتْرَابِ قَدّا في اعْتِدَالٍ iiوَقَوامٍ
مَهْرُهَا مَنْ قَامِ لَيْلًا وهو يَبْكِي في iiالظَّلامِ
التمني على الله .
فإن العبد إذا تمنىّ على الله فليستكثر , فإن الله لا يعجزه شيء ؛ فخزائن السماوات والأرض بيده ؛ وهو سبحانه وتعالى له الآخرة والأولى ؛ يؤتي العبد فوق ما يتمنى كما قال تعالى {وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34) } (19 )
فأخلص عملك لله , وتمنّ ثم تمنّ , ممن بيده الآخرة والأولى , الخلق جميعا إليه فقراء, وهو الغني ,استمع لهذا الحديث0
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: يَدُ اللَّهِ مَلْأَى لَا يَغِيضُهَا (20 ) نَفَقَةٌ سَحَّاءُ (21 ) اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ , وَقَالَ: أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ , عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ , وَبِيَدِهِ الْأُخْرَى الْمِيزَانُ ؛ يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ. (22 )
بل استمع لندائه على عباده سبحانه وتعالى.
عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنْ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا ؛ فَلَا تَظَالَمُوا . يَا عِبَادِي: كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ . يَا عِبَادِي: كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ . يَا عِبَادِي: كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ . يَا عِبَادِي: إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ , وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ . يَا عِبَادِي: إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي , وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي , يَا عِبَادِي: لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا . يَا عِبَادِي: لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا . يَا عِبَادِي: لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ , مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ . يَا عِبَادِي: إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا ؛ فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ ؛ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ. ( 23)
انظر إلى عظيم فضله على عباده ؛ أنه سبحانه وتعالى منع نفسه من الظلم لعباده كما قال عز وجل: { وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ} ( 24)
وقال عز وجل: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا (112) } ( 25)
وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } ( 26)
فهو سبحانه وتعالى رغم قدرته عليه ؛ ولا يسمى ظلمًا لأنه متصرف في حقه سبحانه ، إلا أنه لم يفعله فضلا وتكرما وإحسانا منه إلى عباده .
ثم انظر كيف دعاهم إليه , وقربهم منه ؛ فهو الذي يهدي , وهو الذي يُطعم , وهو الذي يكسي , وهو الذي يغفر الذنوب .