فهرس الكتاب

الصفحة 2218 من 27345

وترك الرسول القائد صلى الله عليه وسلم مدرسة عسكرية كاملة لها مبادئها ونظرياتها في أسباب الحرب ودوافعها وآدابها، ونظرياتها في إعداد الأمة للحرب، وفي إعداد المقاتلين وإعداد القادة، وفي الاستطلاع والأمن ومقاومة الجاسوسية، ونظرياتها في الحرب النفسية والتدريب على القتال واقتصاديات الحرب [1] ، وترك لنا أيضًا شهادة من التاريخ بأن الجيوش التي تطبق هذه المبادئ تصبح قوة لا تقهر.

4-جيل من القادة الخبراء بفن الحرب..

بلغ عدد قادة الفتوحات الإسلامية ستة وخمسين ومائتي قائد، كان منهم ستة عشر ومائتا قائد من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم الذين تعلموا على يديه وفي مدرسته، وليس هذا فحسب، بل باشروا القيادة تحت إشرافه وتوجيهه بصور شتى، فعملوا تحت قيادته العليا قادة للوحدات الفرعية التي يتألف منها الجيش، وقادوا السرايا الحربية قيادة مستقلة، وشاركوا في التخطيط الحربي فأصبحوا خبراء في التخطيط والقيادة معًا [2] . والمعروف أن القادة الذين اكتسبوا خبرة عملية في الحرب يعدون من أثمن الثروات الاستراتيجية لأمتهم.

5-شخصية إسلامية قوية راسخة العقيدة..

ومن أهم ما ترك الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك البناء الشامخ للشخصية الإسلامية التي أسلمت وجهها لله وملآت قلبها بعقيدة الإيمان بوحدانية الله، وتخلقت بالأخلاق التي أمر بها سبحانه وتحررت من رق العبودية لغير الله..

ولقد نشأت هذه الشخصية في مجتمع إسلامي، قام أفراده بواجبهم نحو ربهم، وجمعتهم رحمة الأخوة وسماحة التآلف وكرم الإيثار، وباعوا أنفسهم وأموالهم صادقين مطمئنين لقاء ما أعطاهم ربهم من جنته ومغفرته ورضوانه، وملك حب الله قلوبهم فأحبوا من أحبه وعادوا من عاداه ولو كان أقرب الناس إليهم.. وهكذا تهيأ المناخ الصالح للشخصية الإسلامية لإظهار كل طاقاتها المدخرة فيها.

كيف حافظ أجدادنا على هذه الأمانة؟

ومن أهم ما ينفع المسلمين اليوم من دروس التاريخ أن يتأملوا فيما فعل أجدادنا الأوائل في تلك الأمانة التي تركها لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

والحق أن أجدادنا قد فعلوا ما هو أكثر من المحافظة عليها، فعملوا بسنة التطور التي نبهها إليها دينهم، لكي تبقى لجيش الإسلام قوة الردع في عصرهم وفي كل عصر، مدركين تمام الإدراك أن تخلف القوة الإسلامية عن مقتضيات عصرها، يفقدها القدرة على الردع وعلى إرهاب الأعداء.. ولنتخذ على ذلك مثلًا مما تم في عصر الخلفاء الراشدين:

1-تدريب الأجيال الجديدة على مبادئ المدرسة العسكرية الإسلامية:

ويكفي أن نذكر في هذا المقام ما روي عن زين العابدين بن الحسين بن علي رضي الله عنهم قال: »كنا نعلم مغازي رسول الله صلى الله عليه وسم كما نعلم السور من القرآن «، وعن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم: » كان أبي يعلمنا المغازي والسرايا ويقول: يا بني، إنها شرف آبائكم فلا تضيعوا ذكرها«.

2-تطوير الجيش:

فقد أخذ المسلمون بأسباب التقدم والتطور في الكفاءة القتالية للجيش، فأدخلوا على أسلحة الحصار مثلًا كثيرًا من التحسين والتهذيب، وكثر حصارهم بها للمدن المحصنة ذات الأسوار العالية في حروب العراق والشام وفتح مصر، كما تطور الجيش أيضًا في التركيب التنظيمي وتشكيلات القتال وإدارة المعارك، ومن أمثلة ذلك نظام الكراديس [3] الذي ظهر في معركة اليرموك، ومن ذلك أيضًا وضع الديوان في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو نظام لتسجيل أسماء المسلمين وتحديد أرزاقهم وتدوين البيانات الخاصة بكل منهم مثل النسب والقبيلة والملامح واللون لكي يسهل استدعاؤه، وهو ما يعرف اليوم بنظام السجلات العسكرية ونظام التعبئة.. إلخ.

ولقد شهدد الإمبراطور البيزنظي ليو لجيش الإسلام بتطوره وملاحقته لعصره فنقل عنه فون كريمر في كتابه الشرق تحت حكم الخلفاء أنه قال: »إن الجندي العربي ما كان يفترق عن الجندي البيزنطي في المؤن والسلاح..« إلخ.

3-إضافة نظريات حربية جديدة..

وذلك نتيجة لخوض المسلمين أشكالًا جديدة من العمليات الحربية لم يألفوها في عصر النبوة، مثل عمليات عبور الأنهار والموانع المائية، وعمليات الحصار الطويلة، والمسير الطويل، وتأمين خطوط المواصلات والإمداد الطويلة، وإقامة المعسكرات والثغور والقواعد الحربية والإدارية، وإدارة شؤون البلاد المفتوحة في جميع المجالات.

4-اكتساب القدرة على إدارة الحرب في جبهتين في وقت واحد..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت