فلقد أثبتت القيادة الإسلامية كفاءة لا نظير لها في إدارة دقة الحرب في جبهتين استراجيتين في وقت واحد وفي مواجهة أكبر قوتين عالميتين في عصرهما هما فارس وبيزنطة، وذلك مثل فريد في التاريخ لم تبلغه أقوى الأمم وأوسعها خبرة بفنون الحرب، فالمعروف أن الحرب في جبهتين من أصعب المواقف التي تواجه القيادة، فهو تنطوي على مشكلات بالغة الصعوبة والتعقيد، وتتطلب كفاءة عالية جدًا في التخطيط والسيطرة وإدارة العمليات، ويكفي أن نعلم أن الحلفاء في الحرب العالمية الثانية (1939-1945) لم يستطيعوا أن يهزموا العسكرية الألمانية إلا عن طريق فتح جبهة ثانية..
5-إنشاء الأسطول الحربي الإسلامي لأول مرة في التاريخ..
فقد اقتحم المسلمون بكل اقتدار مجالًا جديدًا تمامًا من مجالات الصراع هو الحرب البحرية فدخل السلاح البحري في الاستراتيجية العسكرية الإسلامية لأول مرة في التاريخ، ومن أجل ذلك أقام المسلمون دور الصناعة لبناء السفن الحربية، وأتقنوا فنون الحرب في البحار وعمليات الإبرار الحربي، وبلغت كفاءتهم في هذا المجال حدًا أنهم انتصروا في المعركة البحرية على أساطيل بيزنطة التي كانت أعظم قوة بحرية في زمانها، فكانت هذه الأساطيل كما يقول ابن خلدون: »تهرب أما البحرية الإسلامية التي ضريت عليهم (أي لزمتهم وطاردتهم) كضراء الأسد على فريسته«.
6-إنزال فارس وبيزنطة عن عرش الفن الحربي..
فالمحصلة النهائية لإنجازات أجدادنا الحربية في عصر الفتوح هو انتصار العسكرية الإسلامية على كل من العسكرية الفارسية والعسكرية البيزنطية بكل ما وراءهما من تاريخ حربي طويل، وخبرة واسعة بفنون الحرب والقتال.
7-فتح الطريق لتأسيس الحضارة الإسلامية..
وهو فضل سجله التاريخ لأجدادنا الأوائل الذين جاهدوا في الله حق جهاده، واسترخصوا المال والنفس والولد في سبيل الله، فشقوا الطريق لتلك الحضارة التي أنارت الطريق للبشرية في ميادين العلوم الطبيعية والاجتماعية، ولولا ذلك لتخلفت مواكب الحضارة الحديثة عن الظهور.
المسلمون قوم لا يُقهَرون..
تحت هذا العنوان قال مونتجمري في كتابه الحرب عبر التاريخ:
»في غضون مائة سنة امتدت الدولة الإسلامية من بحر الأورال إلى أعالي النيل، ومن تخوم الصين إلى خليج بسكاي، ولم تكن هناك سوى قوة واحدة لديها القدرة على مقاومة المسلمين في ذلك الوقت وهي الإمبراطورية البيزنطية [4] بالرغم من فقدها الجزء الجنوبي الشرقي من إمبراطوريتها، وفي عام 636م حشد الإمبراطور البيزنطي جيشًا مكونًا من خمسين ألفًا ليقاتل به العرب، وكان جيشهم نصف عدد الجيش البيزنطي وبقيادة خالد بن الوليد، والتقى الجيشان عند اليرموك، وقد أسفرت المعركة عن هزيمة الجيش البيزنطي، وتشتت صفوفه ولاقوا حتفهم على أيدي أهل الصحراء، وأدى هذا إلى تقلص جبهة البيزنطيين حتى وصلت جبال طوروس، كما سقت الإسكندرية في قبضة عمرو بن العاص..«
وفي موضع آخر يقول مونتجمري: »كان العرب يندفعون نحو القتال، تحركهم أقوى دوافع الحرب ألا وهو الإيمان والعقيدة.. كانوا يؤمنون إيمانًا راسخًا بالدعوة الإسلامية ويتحمسون لها ويغارون عليها، ويعتنقون مبدأ صلبًا هو الجهاد في سبيل الله، وقد تغلغل في قلوبهم..«.
واجب المسلمين اليوم..
والمتأمل في حال المسلمين اليوم لا يمكنه أن يقول: إنهم حافظوا على أمانة إعداد القوة مثلما حافظ عليها أجدادهم عليها، ويكفي أن نتساءل على سبيل المثال:
§ هل لدى المسلمين اليوم القوة الذاتية القادرة على الردع وتحقيق الأهداف الاستراتيجية؟
§ وهل جيوش الأمة الإسلامية اليوم على مستوى عصرها من التطور والتقدم تنظيمًا وتسليحًا وكفاءة للقتال؟
§ هل يدرس أبناء المسلمين اليوم في الكليات العسكرية مبادئ ونظريات العسكرية الإسلامية؟ أم أنهم يدرسون العلم العسكري نقلًا عن الغرب أو الشرق حتى أصبحوا مقطوعين عن مقوماتهم الأساسية الأصيلة؟
§ هل تملأ الروح الجهادية وحب الجندية قوب شبابنا اليوم؟ وهل يقبلون على العلم والعمل والانتاج باذلين أقصى ما لديهم من طاقات معنوية ومادية لبناء أمتهم وبناء قدراتها الدفاعية؟
هذه الأسئلة وعشارت غيرها لابد أن تدور في عقولنا وقلوبنا اليوم، لأن الإجابة عليها ترشدنا بسرعة وبصورة محددة إلى ما ينبغي عمله لحاضرنا ومستقبلنا.
ولا ينبغي في هذا المقام أن تغيب عنا الرؤية التاريخية، ففي التاريخ - وقد ذكرنا جانبًا منه آنفًا - العبرة التي يسترشد بها، والتجارب التي ينتفع بها، ثم إن لنا من تعاليم ديننا ما يغنينا عن البحث عن نظرية تحقق لنا في عصرنا - وفي كل عصر - الأمن والسلامة، وبناء القوة التي تحمينا وتدفع العدوان عنا، وتعيد إلى أمتنا الإسلامية مكانتها اللائقة بها، وسابق عهدها: أمة مرهوبة الجانب، وخير أمة أخرجت للناس.
مجلة الأمة، العدد 30، جمادى الآخرة، 1403 هـ