وإذا ما توافق كل فريق منا مع نفسه ومعتقداته، وقيمه، فإنهم يستمرون بالتمادي ونستمر بالغضب، يستمرون بالعدوان ونستمر بالشجب، ودون أن نتوقف وقفة المتأمل المدقق بالدافع الكامن وراء نشر هذه الصور، التي لم تكن نتاج حرية إعلامية قط، أو جهل معرفي بديننا الإسلامي على الإطلاق كما يعتقد البعض، لن نستطيع اتخاذ القرار الصائب والموقف الحازم البنّاء لمعالجة هذه المشكلة وما سيتأسس عليها لاحقًا من مواقف وتجاذبات ، مع الدعوة إلى تحويل هذا الغضب المنفعل إلى غضب عاقل يساهم في إذكاء روح التحفز والتسامي لأنه وعلى الدوام يكمن الصواب في الأسدّ لا في الأشد.
الأفكار هي التي تقود العالم
لذلك وتأسيسًا على ما سبق أحذر من خطر الوقوع في فخ الانسياق وراء ما يدفعنا الغرب إلى المضي فيه من مناقشة لهذه الصور المسيئة للرسول الكريم على أنها مظهر من مظاهر الديمقراطية وحرية الرأي، لأن الغرب وانطلاقًا من معرفته المسبقة برفضنا لهذا الحوار المؤسس على الإساءة الوقحة للرسول الكريم وما سيترتب على هذه الإساءة من موقف إسلامي غاضب إنما يريد تأكيد مزاعمه التي تقول إن ما يحكم العلاقة فيما بيننا وبينهم إنما هو خلاف بين حضارة متقدمة تؤمن بثقافة الحوار، وأخرى بدائية تؤمن بثقافة العنف.
والحقيقة إن رفضنا لما يدعوننا إليه من حوار إنما هو رفض لما يتذرعون به من حرية رأي تخفي أيديولوجية تعصبية استبعادية لا تؤمن بالتعدد والتنوع الثقافي والحضاري ما خلا ثقافة وحضارة الغرب ـ والتي تجرد الآخر مسبقًا ـ من مقومات التكامل والتماثل التي يجب احترامها والاعتراف بها في شريك الحوار.
وإن رفضنا للحوار القائم على الإساءة للرسول الكريم هو رفض لما نراه ثقافة تحريضية تصادمية من خلال تصوير الآخر بصورة عدوانية قمعية تطرفية تكاد تكون دعوة للتحارب لا للتحاور.
وإن رفضنا للحوار الذي يحكمه منطق الاستعلاء والغطرسة والبذاءة الغربية هو انتصار لمنطقنا الذي تحكمه الكلمة الطيبة، والحكمة والموعظة الحسنة، وقوله عزّ من قائل:"قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم"أي إلى كلمة مستوية لا يختلف فيها القرآن والتوراة والانجيل.
لذلك فإنني أؤكد مرة ثانية على أن المضي في هذا الحوار ـ على أنه مسألة رأي ـ هو تبسيط وتسطيح لهذه القضية، وإقرار بعفوية هذه الصحيفة الدانماركية، ومن تبعها في نشر هذه الصور المسيئة، وإغفال للمحرك الأساسي الكامن وراء هذا الموضوع، الذي هو جزء لا يتجزأ من فكرة دينية ومشروع سياسي يريد القول بأن الإسلام لا يتطابق ولا يتماشى مع التحضر والديمقراطية، وأن العالم العربي والإسلامي في حالة حرب وعداء ضد القيم الغربية وأنها وحدها الأنظمة الغربية قادرة على تطوير العالم الثالث.
إن الغرب الذي يؤمن بأن الأفكار هي التي تقود العالم لا شك أنه كان منساقًا بهدي تراثه الثقافي العنصري، وما استجد لديه من أفكار في أواخر القرن العشرين بشّر بها أمثال الأمريكي (صاموئيل هنتنغتون) والفرنسي (لوران مراويك) والبريطاني الأصل (برنارد لويس) الذي كان من أول المبشرين بهذه النظرية في مقال كتبه عام 1990 ( جذور التعصب الإسلامي) داعيًا إلى لبننة الشرق الأوسط مع تقوية الكيان الإسرائيلي.
ثم ما لبث أن انبرى أحد الغربيين إلى القول: بعد تاريخ 11 سبتمبر 2001 بدأت المعركة الأولى في حرب الحضارات، تمامًا مثلما اعتبرت حادثة"بيرل هاربر"أول معركة في الحرب العالمية الثانية من منظور الولايات المتحدة الأمريكية، في حين رأى البعض الآخر إن الغرب الذي حقق انتصاره الأيديولوجي الساحق على الاتحاد السوفيتي ومنظومته الاشتراكية فيما يمكن اعتباره الحرب الثالثة أو ما كان يسمى بالحرب الباردة، إنما بدأ حربه الرابعة للتو مع الشرق الأوسط الذي أصبح بديلًا للشرق المنافس الذي كان يمثّله القطب السوفيتي.
نعم لقد اختفت المعارك العسكرية التقليدية فاتحة المجال للحرب غير المتوازنة، قوة عظمى وحيدة قائدة لكل الدول تحارب إرهابًا متواجدًا باستمرار وعدوًا ساهم بخلقه فكر غربي تعصبي مصلحي وآلة إعلامية غربية ساحقة لتوفير الدافع الموضوعي للشعوب الغربية والذرائع السائغة تجاه المؤسسات الأممية في هذه الحرب التي يصورونها على أنها استباقية ووقائية، إخفاءً لسيكولوجية عدوانية توسعية وتحقيقًا لمصالح اقتصادية، واستحواذًا على موارد ومقدرات ضرورية لاستمرار الحضارة الاستهلاكية الغربية.
الخيار الديمقراطي وبدائل القوة
فهل ما أشرنا إليه من فكر تعصبي غربي، ونزعة عدوانية، هو محض مبالغات توافق عقد الارتياب والمؤامرة التي يُتهم بها العرب، أم أنها حقائق يجب الوقوف عندها ودراستها وتحليلها بعناية واتخاذ المواقف والوسائل اللازمة لردعها؟
وهل على العالم العربي ـ وتحت تأثير الصدمة العاطفية من سفاهة الرأي التي نالت أعز رموزه الدينية ـ أن يعزف عن المطالبة بحرياته المصادرة، وخياره الديموقراطي؟