وهل على العالم العربي أن يكتفي بالشجب والاستنكار ومناشدة المؤسسات الأممية وضمائر الغربيين ورفع لواء التسامح والسلام لمواجهة مستجدات الألفية الثالثة، أم أن على العالم العربي أن يبحث عن الطرائق الناجعة في الخروج من أزمته الحادة التي يعيشها منذ قرنين من الزمن مع إصراره على عدم تبديل أساليبه التقليدية، وأيديولوجياته الرثة الغارقة في الروتين البيروقراطي، والارتجال السياسي، والانغلاق العقلي، والمفتقرة إلى الجدوى والفعالية والتجديد، واعتماد فلسفة حياة قادرة على تدبر أمر التوازنات الإقليمية والدولية، فضلًا عن الاحتياجات والمشاكل الداخلية..؟ أعتقد أننا بحاجة إلى أيديولوجية جديدة تفسح لنا المجال للانتقال من حالة السكون وسلبية الاعتزال إلى حالة الحركة وإيجابية المشاركة ومن اللامبالاة والفلسفة الهروبية إلى نزعة التسامي وفلسفة المواجهة، ولن يتحقق هذا دون اعتماد الخيار الديمقراطي الذي يعتقد الكثيرون منا أنه مشروع غربي بامتياز وكأنهم ينحازون إلى ما روّجه الغرب من واحدية الحضارة ومن أن الديمقراطية إنما هي مشروع غربي لا تناسب الشرق الراكد، وأن الهويات القلقة لا تملك إلا الانكفاء على نفسها، وأن أصحاب الدعاوة القومية لا يملكون إلا أن يتحصنوا وراء متاريسهم ـ متناسين أننا أصحاب حضارة عربية إسلامية ساهمت من خلال علاقة التكامل والتماثل مع الحضارات الأخرى بما وصل إليه الغرب الآن وأن قيم الحرية والديمقراطية ليست من نتاج أمة ما أو دولة ما، وإنما هي نتاج تطور تاريخي طويل، وتفاهم واحتكاك خصيب بين ثقافات وحضارات الأمم كافة لذلك وانطلاقًا من هذه الناحية ومن عالمية الكرامة وحقوق الإنسان تغدو الديمقراطية قابلة للتطبيق، بل يجب تطبيقها في جميع المجتمعات بصرف النظر عن أية تباينات أو تناقضات سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية، مع ما يمكن اعتباره شرطًا أساسيًا لدخولنا النادي الديمقراطي العالمي ألا وهو الحفاظ على الهوية والخصائص الذاتية لكل أمة.
نعم لقد آن الأوان للنظم العربية اعتماد الخيار الديمقراطي وتوفير الحريات السياسية والفكرية والشخصية لشعوبها بما يكفل تحرير وتوجيه إمكانات العقل العربي في مواجهة العالم الحديث وغطرسته العدوانية، وإطلاق الطاقات المجتمعية من عقالها الذي أوثقته به النظم الإرادوية التعبوية وتلك ذات الواحدية السياسية ردحًا طويلًا من الزمن ظل فيها المواطن العربي ولا يزال يحلم في المشاركة في صناعة قراره السياسي الوطني فيما ترتب له مواطنيته وإنسانيته حق المشاركة في إدارة المجتمع العالمي شأنه شأن أي مواطن في العالم ولا سيما بعد أن أصبح العالم قرية كونية صغيرة.
والأمر الذي يجعل المطلب الديمقراطي مطلبًا ملحًّا وحيويًا لدولنا العربية في ظل النظام العالمي الجديد الذي يسعى إلى إخضاع العالم لسلطة واحدة، وثقافة واحدة، ونظام اقتصادي واحد، وإلى قرارات أممية أقل ما يقال عن عدالتها أنها عدالة مصلحة الأقوى في ظل علاقات دولية في محصلتها ليست إلا علاقات قوى.
أقول: إن المطلب الديمقراطي صار ملحًّا انطلاقًا من كون الديمقراطية في هذه الحالة ما هي إلا دفاع عن الذات اعتمادًا على أن الديمقراطية إنما هي وعي عميق بالانتماء وعامل تعزيز للحمة الوطنية والاجتماعية، مثلما هي عامل أساسي في إجراء التحول بدل الانسجام، والتكيف وخلق الحركة بدل السكون والاستكانة، وعندئذ تؤمّن الدول العربية لنفسها جبهة داخلية متينة تشكّل المعادل الموضوعي لتوازن القوى الذي تعذر بناؤه استراتيجيًا في مواجهة التفوق الغربي، وهذا ما يجنّب الدول العربية أيضًا البدائل المحدودة بين نزعة التزمت القائمة على الاعتزال والانغلاق أو ربما الدخول في حرب ليس في مكنتنا مواجهتها وتحمّل أعبائها أو الالتجاء إلى نزعة المسايرة وما تطلبه من مساومات وتسويات وتنازلات لن تكون في محصلتها إلا على حساب النظم والشعوب.
ودون أن تتحقق هذه الديمقراطية، ديمقراطية الالتزام بالداخل الوطني لا ديمقراطية الارتهان للخارج الأجنبي، وديمقراطية التكامل مع الآخر لا ديمقراطية التماهي بالآخر مع الحفاظ على جوهر الديمقراطية بعيدًا عن التشويه والمسخ. ودون أن تمنح النظم العربية شعوبها كامل حقوقها وحرياتها التي لا تقبل التجزئة لن يكون للموقف العربي واحتجاج الشارع العربي على المعايير الدولية المزدوجة والاستهانة الغربية بكل ما هو مقدس أية فعالية على الأرض، وأية مصداقية لدى هذا الغرب، ولكن عبر ما أتلمس من تحول ديمقراطي بسيط ظهرت ملامحه في السنوات الأخيرة لدى بعض الدول العربية ـ ببطء، وعلى استحياء ـ فإني آمل أن يتفهم الغرب ويعي هذا الغضب العارم الذي اجتاح الشارع العربي والإسلامي ذلك أن الشعوب العربية الصبورة والمكافحة، وبعد صمت طويل، يبدو أنها بدأت تأخذ المبادرة وآمل ألا تضيعها لتردد قول النابغة: