فهرس الكتاب

الصفحة 26180 من 27345

و أخرج الإمام أحمد و السيوطي ( في المعجم الصغير ) بإسنادٍ حسّنه عن سهل بن حُنَيف عن أبيه عن النبي قال: ( من أُذل عنده مؤمن فلم ينصره ، و هو يقدر على أن ينصره أذله الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة ) .

قال الإمام المناوي رحمه الله شارحاً هذا الحديث [ في فيض القدير: 6/ 46 ، 47 ] : ( من أُذِلَّ ) بالبناء للمجهول ( عنده ) أي بحضرته أو بعلمه ( مؤمن فلم ينصره ) على من ظلمه ( هو ) أي و الحال أنه ( يقدر على أن ينصره أذله اللّه على رؤوس الأشهاد يوم القيامة ) فخذلان المؤمن حرام شديد التحريم دنيوياً كان - مثل أن يقدر على دفع عدوّ يريد أن يبطش به فلا يدفعه - أو دينياً .اهـ .

قلتُ: فلو وضع المسلم الذي يعيش العيش الرغيد نفسه في موضع أخيه المتقلب في الآصار و الأغلال ، و استشعر الأخوة الإيمانية التي تجمعهما ، لبذل الغالي و النفيس في تنفيس كربة أخيه ، و جاد في سبيل تحريره بكل ما تملكه يمينه ، و لا أظننا في زمان يخذل فيه المسلم أخاه ، بالكلية و إن كثر المخذلون ، ففي الأمة طلائع طائفة منصورة ، لن يزال أبناؤها على الحق ظاهرين .

و لو لم يرد في الشريعة المطهرة إلا ما تقدم من النصوص العامة في الدلالة على وجوب نصرة المسلم و الذب عن عرضه ، و الدفاع عنه ، لكفى بها دليلاً على وجوب استنقاذ الأسرى و فكاك المعتقلين ، و حافزاً على بذل الوُسع في رفع المظلمة و دفع الضيم عنهم .

فكيف و قد وردت نصوص ظاهرة الدلالة على وجوب هذا العمل بعينه ، كما في قوله تعالى: { وَ مَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَ النِّسَاءِ وَ الْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَ اجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَ اجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا } [ النساء: 75 ] .

قال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة: ( و تخليص الأسارى واجب على جميع المسلمين إما بالقتال و إما بالأموال ، و ذلك أوجب لكونها دون النفوس إذ هي أهون منها ، قال مالك: واجب على الناس أن يُفْدوا الأسارى بجميع أموالهم ، و هذا لا خلاف فيه ... و كذلك قالوا: عليهم أن يواسوهم فإن المواساة دون المفاداة ) [ تفسير القرطبي: 5 / 257 ] .

و قد أمر بذلك نبي الرحمة صراحة ً كما في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنه قال: ( فكوا العاني ـ يعني الأسير ـ و أطعموا الجائع و عودوا المريض ) .

قال الحافظ ابن حَجَر [ في الفتح: 6 / 167 ] : ( قال سفيان: العاني: الأسير ، قال ابن بطال: فكاك الأسير و اجب على الكفاية ، و به قال الجمهور ، و قال إسحاق بن راهويه: من بيت المال ، و روي عن مالك أيضاً ) .

و قال الإمام المناوي شارحاً هذا الحديث في فيض القدير: ( فكوا ) خلِّصوا ، و الفكاك بفتح الفاء و تكسر التخليص ، ( العاني ) بمُهملة و نون أي أعتقوا الأسير من أيدي العدو بمال أو غيره كالرقيق قال ابن الأثير: العاني الأسير و كل من ذّل و استكان و خضع فقد عنا قال ابن بطال: فكاك الأسير فرض كفاية و به قال الجمهور و قال ابن راهويه: من بيت المال ، و رُوي عن مالك و قال أحمد: يفادي بالرؤوس أو بالمال أو بالمبادلة .اهـ .

و في الصحيح و سنن الترمذي عن أبي جحيفة قال: قلت لعلي رضي الله عنه: ( يا أمير المؤمنين، هل عندكم من الوحي شيء ؟ ) قال: ( لا و الذي فلق الحبة و برأ النسمة ، إلا فهماً يعطيه الله عز و جل رجلاً و ما في هذه الصحيفة ) ، قلت: ( و ما في هذه الصحيفة ؟ ) قال: ( العقل ، و فكاك الأسير ، و لا يقتل مسلم بكافر ) .

و الوسائل المعينة على فكاك الأسرى كثيرة ، يجب منها ما لا يتم الواجب إلا به ، و من ذلك على وجه التمثيل لا الحَصر:

أولاً: الإكثار من الدعاء لأسرى المسلمين في الخلوات و الجماعات ، و في القنوت و على المنابر و في الصلَوات ، و سائر مظانِّ الإجابة من الأمكنة و الأزمنة .

فقد كان عليه الصلاة والسلام يخص الأسرى بالدعاء ، و يسمي بعضَهم بأسمائهم ، و يدعوا بالهلاك على أعدائهم ، كما في الصحيح عن أبي هريرة و عبد الله بن عمر رضي الله عنهم أنّه كان إذا رفع رأسه من الركعة الأخيرة يقول: ( اللهم نجِّ عياش بن أبي ربيعة ، اللهم نج سلمة بن هشام ، اللهم نج الوليد بن الوليد ، اللهم نج المستضعفين من المؤمنين ، اللهم اشدد وطأتك على مضر ، اللهم اجعلها سنين كسني يوسف ) .

ثانياً: استنقاذ أسرى المسلمين من المشركين بدفع الفدية لإطلاقهم ، و ذلك من فك الرقاب الذي أمر الله تعالى به ، كما في قوله: { فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ - وَ مَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ - فَكُّ رَقَبَةٍ } [ البلد: 11-13 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت