قال القرطبي [ في تفسير سورة البلد: 20 / 68 ] :( قوله تعالى { فَكُّ رَقَبَةٍ } فكُّها: خلاصها من الأسر. و قيل: من الرق ... و الفك: هو حل القيد ؛ و الرق قيد ، و سمي المرقوق رقبة ؛ لأنه بالرق كالأسير المربوط في رقبته . وسمي عنقها فكا كفك الأسير من الأسر .
قال حسان:
كم من أسير فككناه بلا *** ثمن وجز ناصية كنا مواليها )
و يُنفَق من بيت مال المسلمين إن كان موجوداً على فكاك الأسرى ، ففي مصنف ابن أبي شيبة عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: ( لأن أستنقذ رجلاً من المسلمين من أيدي الكفار أحب إلي من جزيرة العرب ) ، و في المصنف أيضاً عنه رضي الله عنه أنه قال: ( كل أسير من المسلمين كان في أيدي المشركين ففكاكه من بيت مال المسلمين ) .
و في إسناد هذين الأثرين ضعفٌ ، و لكن عليهما العَمَل عند أهل العلم كما تقدّم و ما سيأتي بيانه عند ذكر أقوالهم رحمهم الله .
و قد حكى ابن حزم الإجماع عليه فقال [ كما في مراتب الإجماع ، ص: 122 ] : ( و اتفقوا أنه إن لم يُقْدَر على فك المسلم إلا بمال يعطاه أهل الحرب ، أن إعطاءهم ذلك المال حتى يفك ذلك الأسير واجب ) .
و في المبسوط للسرخسي الحنفي [ 30 / 271 ] : ( من وقع أسيراً في يد أهل الحرب من المؤمنين و قصدوا قتله يفترض على كل مسلم يعلم بحاله أن يفديه بماله إن قدر على ذلك ، و إلا أخبر به غيره ممن يقدر عليه و إذا قام به البعض سقط عن الباقين بحصول المقصود ) .
و قال الإمام النووي الشافعي رحمه الله [ كما في الروضة: 10/216 ] : بعد أن ذكر وجوب الجهاد لتحرير الأسرى: ( و الفداء بالمال واجب إن استطعنا تخليص الأسرى به ) .
و قال ابن قدامة المقدسي الحنبلي رحمه الله: ( و يجب فداء أسرى المسلمين إذا أمكن ، و بهذا قال عمر بن عبد العزيز ، و مالك ، و إسحاق ، و يروى عن ابن الزبير أنه سأل الحسن بن علي: على من فكاك الأسير ؟ قال على الأرض التي يقاتل عليها ) [ المغني: 9 / 228 ] .
و يدخل فكاك الأسرى في مصارف الزكاة ، فيصرف له من سهم اعتاق الرقاب ، كما يُشرَع الإنفاق عليه من الكفارات الواجبة ، على ما هو مفصل في مظانه من كتب الفقه .
قال الإمام القرطبي في تفسير آية الصدقة من سورة التوبة: ( و اختلفوا في فك الأسارى منها - أي من أموال الزكاة - فقال أصبغ: لا يجوز . و هو قول ابن قاسم . و قال ابن حبيب: يجوز ، لأنها رقبة مُلكت بملك الرق فهي تخرج من رق إلى عتق ، و كان ذلك أحق و أولى من فكاك الرقاب الذي بأيدينا ، لأنه إذا كان فك المسلم عن رق المسلم عبادة و جائزاً من الصدقة ، فأحرى و أولى أن يكون ذلك في فك المسلم عن رق الكافر و ذله ) [ تفسير القرطبي: 8 / 183 ] .
و يُندب إلى وقف الأوقاف و حبس أصول الأموال على ما من شأنه فكاك الأسرى ، حتى ينفق من خراج الوقف على كل أسير يقع في أيدي الأعداء إلى يوم يقوم الأشهاد .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ( فكاك الأسارى من أعظم الواجبات ، و بذل المال الموقوف و غيره في ذلك من أعظم القربات ) [ الفتاوى: 28/635 ] .
و سُئل رحمه الله عن مال موقوف على فكاك الأسرى ، و إذا استُدين بمال في ذمم الأسرى بخلاصهم لا يجدون وفاءه: هل يجوز صرفه من الوقف ؟ و كذلك لو استدانه ولي فكاكهم بأمر ناظر الوقف أو غيره ؟
فأجاب:
نعم يجوز ذلك ، بل هو الطريق في خلاص الأسرى ، أجود من إعطاء المال ابتداء لمن يفتكهم بعينهم ، فإن ذلك يخاف عليه ، و قد يصرف في غير الفكاك ، و أما هذا فهو مصروف في الفكاك قطعاً . و لا فرق بين أن يصرف عين المال في جهة الاستحقاق ، أو يصرف ما استدين ، كما كان النبي تارة يصرف مال الزكاة إلى أهل السهمان ، و تارة يستدين لأهل السهمان ثم يصرف الزكاة إلى أهل الدَّين ، فعُلم أن الصرف و فاء كالصرف أداء ، و اللّه أعلم .اهـ . [ مجموع الفتاوى: 31 / ] .
ثالثاً: مفاداة أسرى المسلمين بأسرى الكافرين ، و لتحقيق ذلك يُندَب المسلمون إلى الإثخان في العدو و أسر من يمكن أسره من رجالهم لمفاداة المؤمنين بهم ، فإذا وقع في أيدي المسلمين أسير من أهل الحرب و أمكن أن يفادى به أسير مسلم أو أكثر تعين العمل على ذلك ، و لا مندوحة عنه .
قال الحافظ ابن حَجَر [ في الفتح: 6 / 167 ] : ( و لو كان عند المسلمين أسارى و عند المشركين أسارى و اتفقوا على المفاداة تعينت ) .
و قد أُثر عن النبي حرصه على فكاك الأسارى بالفداء ، فعن عمران بن حصين رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم فدى رجلاً برجلين .