فهرس الكتاب

الصفحة 26182 من 27345

قال الموفق ابن قدامة المقدسي رحمه الله في المغني [ 9 / 228 ] : ( روى سعيد بإسناده عن حبان بن حبلة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن على المسلمين في فيئهم أن يفادوا أسيرهم و يؤدوا عن غارمهم ، و روي عن النبي أنه كتب كتاباً بين المهاجرين و الأنصار ، أن يعقلوا معاقلهم و أن يفكوا عانيهم بالمعروف ، و فادى النبي رجلين من المسلمين بالرجل الذي أخذه من بني عقيل ، و فادى بالمرأة التي استوهبها من سلمة بن الأكوع رجلين ) .

و أُثر مثل ذلك عن السلف أيضاً ، فقد روى سعيد بن منصور في سننه [ 2822 ] بإسناد فيه ضعف عن عبد الرحمن بن أبى عمرة في قصة بعث عمر بن عبد العزيز رحمه الله له بفداء أسارى المسلمين من القسطنطينية ، قال: قلت له: ( أرأيت يا أمير المؤمنين إن أبوا أن يفادوا الرجل بالرجل كيف أصنع ؟ ) قال عمر: ( زدهم ) قلت: ( إن أبوا أن يعطوا الرجل بالاثنين ؟ ) قال: ( فأعطهم ثلاثاً ) ، قلت: ( فإن أبوا إلا أربعاً ؟ ) قال: ( فأعطهم لكل مسلم ما سألوك فوالله لرجل من المسلمين أحب إلي من كل مشرك عندي ! إنك ما فديت به المسلم فقد ظفرت ، إنك إنما تشترى الإسلام ) قال عبد الرحمن بن أبى عمرة رحمه الله: ( فصالحت عظيم الروم على كل رجل من المسلمين رجلين من الروم ) .

رابعاً: النفير لفكاك الأسرى و استخلاص المعتقلين بالشوكة و إعداد القوة لذلك ، باعتباره من أفضَل الجهاد في سبيل الله تعالى .

قال ابن العربي المالكي رحمه الله في معرض حديثه عن الأسرى المستضعفين من المسلمين: ( إنّ الولاية معهم قائمة ، و النصرة لهم واجبة بالبدن بألاّ يبقى منا عين تطرف حتى نخرج إلى استنقاذهم ؛ إن كان عددناًَ يحتمل ذلك ، أو نبذل جميع أموالنا في استخراجهم ، حتى لا يبقى لأحد درهم ، كذلك قال مالك و جميع العلماء ، فإنا لله و إنا إليه راجعون على ما حلَّ بالخلق في تركهم إخوانهم في أمر العدو ، و بأيديهم خزائن الأموال ، و فضول الأحوال ، و العدة و العدد ، و القوة و الجلد ) [ أحكام القرآن: 440/2 ] .

و قال الإمام القرطبي رحمه الله في تفسير قوله تعالى { وَ مَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَ النِّسَاءِ وَ الْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَ اجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَ اجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا } [ النساء: 75 ] : حض على الجهاد ، و هو يتضمن تخليص المستضعفين من أيدي الكفرة المشركين الذين يسومونهم سوء العذاب و يفتنونهم عن الدين ، فأوجب تعالى الجهاد لإعلاء كلمته ، و إظهار دينه و استنقاذ المؤمنين الضعفاء من عباده و إن كان في ذلك تلف النفوس ) [ تفسير القرطبي: 5 / 279 ] .

وقال ابن حجر الهيتمي: ( ولو أسروا مسلما فالأصح وجوب النهوض إليهم فوراً على كل قادر ) [ تحفة المحتاج: 9/237 ] .

قلت: و مما ينبغي التنبيه إليه في هذا السياق أنه لا عهد يصح و لا هدنة تُشرع مع المحاربين ما دام في معتقلاتهم أسير مسلم واحد ، بل إن مهادنتهم على فرض صحة انعقادها ابتداءً منقوضة بإصرارهم على أسر بعض المسلمين ، و عدم إطلاقهم مهما كانت ذرائعهم أو ذرائع من يبررون فعلتهم و يتلمسون لهم الأعذار و المبررات من بني جلدتنا و غيرهم .

قال الخطيب الشربيني الشافعي [ في مغني المحتاج: 4 / 261 ] معدداً الشروط التي ينبغي أن يخلو عنها عقد الهدنة بين المسلمين و الكافرين: ( و كذا شرط فاسد ) أي يشترط خلو عقد الهدنة من كل شرط فاسد ( على الصحيح ) المنصوص ( بأن شرط منع فك أسرانا ) منهم ( أو ترك مالنا ) الذي استولوا عليه ... أو نحو ذلك من الشروط الفاسدة ... و الأصل في منع ما ذُكِر قوله تعالى: فلا تهنوا و تدعوا إلى السلم و أنتم الأعلون ) ، و في اشتراط ذلك إهانة ينبو الإسلام عنها .اهـ.

خامساً: ذكر محاسنهم و التعريف بقضيتهم و إعلان أمرهم و إشهار مظلمتهم عند من يرجى قيامه بنصرتهم أو العمل على تخليصهم ، و يستفاد لتحقيق ذلك من وسائل الإعلام على تنوعها ، و كل وسيلة يمكن من خلالها إيصال صوت المستضعفين إلى من يعنيه أمرهم ، و يرجى منه نصرهم من الدول و الجماعات و الأفراد ، كما يعرف بمنظمات و هيئات حقوق الإنسان ، و المؤسسات الحقوقية ، و غيرها .

و يدخل في هذا الواجب ما ينبغي من تذكير الحكام ( و إن كانوا عن الحق حائدين ، و لأهله في الغالب خاذلين ) لعل بقية من حمية أو نخوة تحرك ساكناً في نفوسهم ، فيقدر الله على أيديهم بعض ما نصبوا إليه من التفريج عن إخواننا الأسرى و المعتقلين .

و لن يعدم من يحمل هم إخوانه ، و يسعى لفك رقابهم من أيدي أعدائهم ؛ السبيل للمساهمة في تحقيق هذا الهدف ، و إن كان ما في يده محدوداً فإنه سيكون ذا أثر بالغ إذا أضيف إلى جهود غيره من الغيارى لا الحيارى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت