فهرس الكتاب

الصفحة 5921 من 27345

أبوذر الغفاري رضى الله عنه: وأبو ذر لم يعرف عنه مزيد عناية بالعلم أكثر من غيره, ولا مزيد اهتمام بشأن الجهاد أكثر من غيره, و إنما عرف بالزهد والورع, والحث على التقلل من الدنيا, والتزود للآخرة ... وتجد من الصحابة غير هؤلاء لهم اهتمامات أخرى غير ما سبق .

وهذه المزايا التي تنفرد بالتميز بها طائفة عن أخرى راجعة إلى خصائص موجودة في أصل التركيب, وأصل الفطرة عند هؤلاء القوم, فخالد: جبل على الشجاعة, وابن مسعود: منح من قوة الذاكرة, وقوة الاستنباط, والجلد في طلب العلم ما ليس عند غيره ... وهكذا .

أمور يجب مراعاتها:

ومن مجموع هذه الخصائص يتكون المجتمع المسلم, وهذا أمر لابد من مراعاته في هذه الصورة المثالية في مجتمع الصحابة: يجب أن نعمل على أن نتمثلها في واقعنا اليوم, ونحن نسعى إلى تكوين المجتمع المسلم الصحيح الذي يتأسى بمجتمع الصحابة, فندرك أنه لابد أولًا: أن يلتزم كل فرد منا بقدر معين من الخصائص والصفات, فيكون هذا القدر مشتركا بين جميع الأفراد, فكل فرد لابد أن يتعلم من العلم الشرعي ما يحتاج إليه في حياته العملية... وأن يعرف العقيدة الصحيحة- ليس عن طريق التقليد, والوراثة بل- عن طريق التلقي, ومعرفة الدليل ... وكل فرد لابد أن يلتزم بقدر من العمل, والعبادة, والقيام بما لابد منه في ذلك ... ثم بعد ذلك يتفاوت الأفراد, فيوجد منهم من يشعر بميل إلى الالتزام بطلب العلم الشرعي؛ لأنه يحس أن هذا الأمر خلق له, ويستطيع أن يبرز وينتج فيه أكثر من غيره حيث يملك أداته, فيتجه إلى هذا العلم ويحقق فيه من النتائج الشيء الكثير ... ونجد إنسانا آخر: يحس أنه يمكن أن يحقق لنفسه وللمسلمين في مجال تعلم الطب ما لم يحقق في غيره ... وثالث: يشعر إنه يمكن أن يحقق في مجال تعلم الهندسة ما لا يحقق في غيره... ورابع: تجد أنه يمكن أن يحقق في مجال تعلم صناعة من الصناعات, أو حرفة من الحرف التي لا تحصر ما لا يحقق في غير هذا المجال, فعلي الإنسان أن ينظر في المجال الذي يحس أن نفسه إليه أميل, وطبعه به أوفق, فيعمل علي التوجه إلى هذا المجال؛ لينجح فيه, ويخدم نفسه والمسلمين من خلاله ما لم يكن هذا المجال مجالًا غير مشروع .

وهذه القضية إن كان علماء التربية اليوم يتحدثون عنها إلا أننا لسنا بحاجة إلى أن ننقل كلامهم كيف ونحن نجد من نصوص علمائنا السابقين ما يغنينا عن ذلك:فهذا الإمام ابن القيم رحمه الله يقول في كتابه' أحكام المولود' وهو يتحدث عن الأطفال, وتعليمهم: 'ومما ينبغي أن يعتمد: حال الصبي, وما هو مستعد له من الأعمال, ومهيأ له منها مما كان مأذونا فيه شرعا, فيعلم إنه مخلوق له فلا يحمله علي غيره' يعني أن المُرَبِّي يجب أن يتأمل حال المُرَبَّى, وما هو مهيأ له بأصل الخلقة, والطبيعة, فيوجهه إلى ذلك, ولا يحمله علي غيره, يقول:' فإنه إذا حمل علي غير ما هو مستعد له؛ لم يفلح فيه, و فاته ما هو مهيأ له, فإذا رآه حسن السمع, صحيح الإدراك, جيد الحفظ, واعيا, فهذه من علامات قبوله, وتهيؤه للعلم, وإن رآه خلاف ذلك من كل وجهة, وهو مستعد للفروسية وأسبابها: من الركوب والرمي واللعب بالرمح, وإنه لا نفاذ له في العلم, ولم يخلق له مكنّه من أسباب الفروسية, والتمرن عليها, فإنه أنفع له وللمسلمين, وإن رآه بخلاف, وإنه لم يخلق له ورأى عينه مفتوحة إلى صنعة من الصنائع, ورآه مستعدًا لها, قابلا لها, وهي صنعة مباحة نافعة للناس, فيمكنه منها هذا كله بعد تعليمه ما يحتاج إليه في دينه' .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت