فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
إذًا ابن القيم أشار إلى القدر الذي لابد منه لكل إنسان, وهو تعلم كل ما يحتاج إليه في دينه, ثم أشار بعد ذلك إلى أن الأولى بالإنسان أن ينظر سواء في نفسه, أو فيمن يربيه فيما هو مستعد له فطرة وخلقة, فيوجهه إلى ذلك, فإنه إن وجهه إلى غيره؛ لم يفلح فيما وجهه إليه, وخسر الشيء الذي كان مستعدًا له؛ لأنه لم يشتغل به, وهذا ملمح مهم جدًا في قضية التوازن, وحين ننظر إلى جانب معين من جوانب التوازن, فمثلا: جانب العلم لنفترض أنك بعد أن تأملت نفسك وفكرت في الخصائص والمواهب التي منحك الله وجدت أنك تميل إلى تعلم العلوم الشرعية وتحصيلها, وهذا لاشك مهم جدًا ولا غنى للمسلمين عنه في حال من الأحوال, فحينئذ ستجد نفسك أمام عدد كبير من العلوم: أمام تعلم التفسير المتعلق بكتاب الله وكتاب الله هو أشرف الكتب وأعظمها, والمسلم بحاجة إلى معرفته قبل معرفة غيره, وهذا يدعوك إلى العناية بالتفسير, فإذا التفت من جانب آخر وجدت أن السنة تفسر القرآن, وتبين مجمله, وتقيد مطلقه, وتخصص عامه, فأنت بحاجة إذًا إلى معرفة السنة حتى تفهم القرآن فهما صحيحًا, وإذا نظرت إلى جانب ثالث: وجدت أن علم العقائد أصل, وأن كل علم قبل هذا العلم لا يكفي, وأن الإنسان إذا فسدت عقيدته لا ينفعه بعد ذلك ما حصل من العلوم... وهكذا كل علم يبدي حجته؛ تجد أنك تحكم له, وتقول: هذا العلم أولى من غيره, ولذلك تجد أن بعض الطلبة ينتقل بين هذه العلوم بطريقة فردية غير منضبطة ولا مستقرة, فهو اليوم متجه إلى تعلم التفسير, فتلقاه بعد شهر أو شهرين قد ترك الكتب التي بدأها والبرنامج الذي ألزم نفسه في تعلم التفسير واتجه إلى حفظ السنة, فتلقاه بعد سنة وقد قطع هذا العمل على نفسه, وقال: لابد أن أتعلم العقيدة, فهي أساس كل شيء فلا يكاد أن يبدأ بتعلم العقيدة حتى ينتقل منها إلى الفقه, وهو يقول: الفقه علم عملي والناس محتاجون إليه في كل حركة وكل سكنة, ولابد من تعلم هذا العلم لسد حاجة الناس... بل أعجب من ذلك أنك تجد بعض الشباب يتجه إلى طلب علم من العلوم, فيلقاه بعض من حوله, فيسأله سؤالًا يتعلق بعلم آخر, فيجد نفسه حائرًا أمام هذا السؤال الذي وجه إليه لا يستطيع الإجابة عليه فهذا السؤال وهذه الحيرة أملت عليه الاتجاه إلى العلم الذي يتعلق بهذا السؤال, فإذا كان السؤال فقهيًا؛ اتجه إلى الفقه؛ لأنه شعر من خلال عجزه عن الإجابة على هذا السؤال بضرورة تعلم الأحكام التفصيلية وأدلتها, فإذا بدأ وجه إليه سؤال آخر وثالث ... وهكذا, فيكون الإنسان مترددًا لا يكاد أن يستقر على حال بسبب ضعف انتباه الإنسان لنفسه, وضعف ضبطه للطريقة الصحيحة التي يجب أن يتعلم بها, وبسبب عدم وجود المربى, أو الموجه الذي ينتفع الإنسان بخبرته ومعرفته في هذا المجال.
ولذلك قال علماؤنا السابقون: إن الإنسان إذا وجد في نفسه ميلا إلى علم من العلوم ينبغي عليه أن يركز في هذا العلم الذي شعر بأنه يميل إليه, ولو كان هذا العلم مفضولا, فمثلا لو وجدت في نفسك ميلًا إلى علم التاريخ, وأنك تبدع فيه أكثر من غيره, فإنك حينئذ ينبغي - بعد أن تتعلم بعض علوم الشرع التي لا بد لك منها- أن تركز على تعلم علم التاريخ, وأن تخدم الإسلام من خلال هذا العلم, فتبين مثلًا المرويات الباطلة التي دسها الرافضة, وغيرهم من أعداء الإسلام في كتب التاريخ, وشوهوا بها سيرة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم, بل شوهوا التاريخ الإسلامي, وخاصة القرون المفضلة, فأنت مؤرخ تخدم الإسلام من خلال تمحيص التاريخ الإسلامي, ومن خلال دراستك للتاريخ دراسة صحيحة, وبيانك للصورة المشرقة التي رسمها المسلمون الأولون حتى ينسج المسلمون على منوالها, فيعرفوا التصرف الصحيح, فيمتثلون, ويعرفوا ما تبين عدم صحته فيجتنبوه, ولذلك قال الشاعر:
ومن وعى التاريخ في صدره أضاف أعمارا إلى عمره