فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وما يمكن أن يقال في التاريخ مثلا يمكن أن يقال في علم آخر, ولذلك قال الإمام ابن حزم في كتابه الذي سماه:' الأخلاق والسير في مداواة النفوس':' من مال بطبعه إلى علم ما ولو كان أدنى من غيره, فلا يشغلها بسواه, فيكون كغارس النارجيل في الأندلس, وكغارس الزيتون في الهند' وهذا كله لا يثمر, فحين تغرس نوعًا من الشجر في بلد لا تصلح تربته, أو لا يصلح جوه, فإنه يموت, فتخسر الشجرة, وتخسر الجهد الذي بذلته, والوقت والأرض ... وهكذا من وجه نفسه إلى علم لا يحسنه؛ يتعب كثيرًا ولا يحصل فيه إلا القليل, بل إنني أقول: إن الأمر يتعدى ذلك, فإن كثيرًا ممن يسيئون إلى العلم الشرعي ويخطئون من حيث أرادوا الصواب والإحسان هم من أقحموا أنفسهم في هذه المجالات, وهم لايملكون أداتها ولا آلتها ولم يخلقوا لها, فجاءوا من الآراء والنظريات والأقوال بالشيء الغريب الذي لم يسبقوا إليه, وتجد كثيرا من الشباب خاصة في بداية الطلب, وفي غمرة الحماس قد يأتون بآراء وأقوال في منتهى الغرابة, وقد يصدر منهم أيضا من التصرفات والمواقف الشيء الكثير, ولا حاجة إلى ضرب الأمثلة لذلك, فهي معروفة لدى الكثير .
إننا حين ندرك المواهب التي وهبنا الله عز وجل إياها و الأشياء التي نستطيع أن نفلح فيها أكثر من غيرها, فإننا بذلك نوفر على أنفسنا جهدًا وعناءً كبيرًا, ونقدم للدين الذي نحبه ونحب أن نضحي في سبيله شيئا كثيرا, وفي نفس الوقت نكون قد تناوبنا القيام بفروض الكفايات التي أوجبها الله علينا, فإن تعلم هذه العلوم فيما عدا العلم الذي يخص الشخص هو من باب فروض الكفايات, حتى علوم الصناعات التي يحتاجها المسلمون في حياتهم العملية هو فرض كفاية, وكذلك تعلم العلوم الزائدة التي يحتاجها الناس, فإذا قام كل واحد منا بالتعرف على العلم الذي يحسنه, فوجه همه إليه, أو التعرف على الشيء الذي يناسبه- ولو لم يكن علما- ووجه همه إليه, فإنا سنجد في النهاية أننا بمجموعنا أفلحنا في تكوين مجتمع إسلامي متكامل, يتناوب أفراده القيام بفروض الكفاية, ولا يوجد فرد في غير محله, فكل فرد في موقعه الطبيعي .
ولا شك أن الإنسان قد يقول: كيف لي أن أعرف الموهبة التي يمكن أن أجيد فيها؟ وهذا فعلا لا يتحقق في كثير من الأحيان إلا بنوع من الانتباه والتجربة, ففي بعض الأحيان تكون مواهب الإنسان بارزة ومتجهة إلى شيء معين, وهذا لا إشكال فيه... لكن أحيانًا أخرى تكون هذه المواهب خفيه تحتاج إلى تجربة, واستشارة, و بالتجربة, والانتباه والاستشارة يصل الإنسان إلى الموقع المناسب.
ويجب علينا أن ندرك أن الله حين قسم بيننا هذه المواهب, وهذه الملكات أراد منا أن نستثمرها في طاعته, وفيما يريده؛ ولذلك فإننا حين نضيعها نكون قد ظلمنا أنفسنا, وتعرضنا لسخط الله, أو عقابه, اقرأ قول الله: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ [165] سورة الأنعام
تأمل هذه الآية:جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ { فنحن مستخلفون في هذه الأرض, ومطالبون بعمارتها. } هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا [61] سورة هود . ومطالبون بإقامة دين الله فيها بكل
جوانبه, ودين الله لا يقوم به إلا من أحاطه بجميع جوانبه, مطالبون بجميع ذلك, ثم قال: وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ { إذًا: فالناس درجات متفاوتة منهم: من جمع من الفضل والخير أنواعا كثيرة, ومنهم: دون ذلك, ومنهم: الفاضل في مجال, ومنهم: الفاضل في مجال آخر, منهم: العالم, ومنهم العابد, ومنهم المجاهد... وهذه درجات متفاوتة وأنواع من الفضل: } لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ { إذًا:هذا الفضل هو ابتلاء واختبار, من هو الذي ينجح في هذا الابتلاء, فيقوم بما أوجب الله عليه بتوجيه المواهب الفطرية توجيهًا صحيحًا يخدم الإسلام, وبالاستفادة مما اكتسبه في طاعة الله, ومن هو الذي يخفق في هذا الامتحان, فيوجه مواهبه توجيهًا غير صحيح, أو يوجه ما اكتسبه في معصية الله, أو في الإث,م أو في أشياء لا فائدة منها, ثم ختم الآية بالإشارة إلى العقاب وإلى مغفرة الله ورحمته:} إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ وهذا دليل جلي واضح على أنه ينبغي للشاب المسلم أن يستثمر مواهبه وطاقاته في خدمة الإسلام, ويدرك أن كل طاقة عنده مهما تكن بسيطة ينبغي أن توجه توجيهًا صحيحًا …