فهرس الكتاب

الصفحة 18448 من 27345

وما حدث في الأندلس الاسلامي، حين خرج من يد المسلمين، هو نموذج لذلك، فقد وفر أعداء الاسلام لهم كل وسائل المتعة المحرمة، ومثيراتها؛ فقد أوقفوا الحقول النظرة لصنع الخمرة، وغمروها بالحانات والفتيات المنحرفات، اللواتي أخذن يخطرن بكل خلاعة في شوارعها؛ فماتت روح الدين والشرف؛ ونتيجة لذلك تمكن أعداء الدين من السيطرة على الأندلس، بكل سهولة، ونجحوا في إبادة المسلمين.

وقد استخدم الاستعمار الغربي اليوم هذه الطريقة، وبصورة أكثر دقة في البلاد الاسلامية.

إذن، فالغرق في الشهوات، يؤدي إلى ضمور الإحساس الديني، وضعف تأثيره؛ بل، وقد صرح القرآن الكريم بذلك؛ فانه لو صارت القلوب قاتمةً، مظلمة، وتكدرت وقسمت، فحينئذ لا يجد نور الإيمان منفذًا إليها؛ كما في قوله تعالى: (إن الله لا يهدي القوم الفاسقين) المنافقون/ 6.

2 ـ ان البعض ممن حملوا مسؤولية الارشاد للدين، لم يعرفوا واقع الدين، وحقيقته ولا أسلوب الدعوة إليه؛ فبدلًا من الدعوة إلى تعديل الغرائز البشرية، وتوجيهها التوجيه الصحيح، نراهم يدعون لمحاربة الغرائز والميول الفطرية البشرية، ويشيعون بأن الدين يعادي هذه الغرائز الفطرية، ويدعو إلى القضاء عليها.

فإن للبشر رغبات، وغرائز، فطرية كثيرة، وكلها دخيلة في تكامل الانسان وسعادته.

فالرغبات لم تُخلق عبثًا ولغوًا، حتى تقتل وتحارب، ويقضى عليها؛ كما هو الأمر في أعضاء الانسان الخارجية، فلم توضع عبثًا في بدن الانسان.

كذلك ميول الانسان، فإن هناك الكثير من الميول الفطرية، أمثال حب الاستطلاع والمعرفة، والرغبة في الثروة، والميل لتشكيل الأسرة؛ ومنها الدافع الديني أيضًا.

ولا يُوجد بين هذه الميول صراع وقتال، ولا تضاد وعداء حقيقي، وكل واحدة منها لها نصيبها في مجال العمل؛ فإذا استعملت في حدودها المقررة لها، وإذا منح لها نصيبها بعدالة، فسوف تعيش فيما بينها بسلام، وإنما يبدأ الصراع بينها حين يعطي الفرد لأحدها نصيبًا أكثر، على حساب الميول الأخرى، فيشبعها أكثر من الحد المقرر لها.

ومن مميزات الاسلام أنه قد اعترف بجميع الميول الفطرية في الانسان، ولم يرفضها، ولم يمنح لإحداها، سهمًا ونصيبًا أكثر ما تستحقه.

وهذا هو معنى فطرية التعاليم والقوانين الاسلامية، أي تلاحم هذه القوانين، وعدم عدائها ومعارضتها للفطرة البشرية؛ أي كما أن الإيمان والعبادة في الاسلام، من أجل تربية وتنمية الإحساس الفطري الكامن في النفس الانسانية، وكذلك التعاليم الاسلامية، فإنها متلائمة مع الفطرة البشرية ومتلاحمة معها.

ولكن بعض الأفراد الذين يتظاهرون بالتقدس والزهد، والذين يدّعون بأنهم الدعاة إلى الدين، يحاربون كل شيء باسم الدين، ويرفعون هذا الشعار في أحاديثهم وخطاباتهم، فهم يقولون: لو أردت أن تصبح مؤمنًا، متدينًا حقًا؛ فيجب أن تقتل في نفسك كل الميول والغرائز: الميل للثروة، والغريزة الجنسية، والرغبة في الزوجة والأولاد، والرغبة في المعرفة والاستطلاع، والظهور، واقبع في غرفتك، منعزلًا بعيدًا عن المجتمع؛ وعلى وفق هذا الرأي، إذا أراد الفرد أن يستجيب للدافع الديني، فيلزم عليه أن يحارب الدوافع والميول الأخرى كلها.

ولكن لو فُهِم الزهد بأنه الهروب من المجتمع، والعزلة، وترك العمل؛ لو عُرف الدين أنه يحارب الغريزة الجنسية، وأنه يعتبرها أمرًا قبيحًا، يجب على المتدين اجتيازها، وعدم الاستجابة لها، والانسان الأفضل، هو الذي يتجنب المرأة طوال عمراه، وكذلك لو عرف عن الدين أنه عدو العلم، وأنه يحرض على إحراق العلماء وقتلهم، والتنكيل بهم، وغيرها من الشائعات والتصورات الخاطئة والمنحرفة عن الدين؛ نعم، هذه وغيرها، ستزرع في النفوس العداء، لمثل هذا الدين.

فيلزم على دعاة الدين:

1 ـ أن يتعرفوا على التعاليم الدينية الأصيلة، وأن يكونوا بأنفسهم من العلماء والمحققين في المسائل الدينية، وأن لا يلقوا في أذهان الناس، تلك التصورات والمفاهيم المنحرفة، وغير المعقولة، باسم الدين، حيث أن هذا الفهم للدين يؤدي إلى الانحراف عنه، وإلى الكثير من التيارات المعارضة له.

2 ـ تطهير البيئة الاجتماعية من الأوحال التي تلوثها.

3 ـ أن تكون لهم تلك الرؤية الواقعية للغرائز كلها، فلا يحاربون الغرائز الفطرية، باسم الدين، وآنذاك سترى بأن الناس (يدخلون في دين الله أفواجًا) النصر/ 2.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت