فهرس الكتاب

الصفحة 17852 من 27345

ونرى اليوم مع هذه الكلمات كلام عمر رضي الله عنه في ولده حين وافته المنية إذ كل نفس ذائقة الموت ... حيث نرى كريم تقدير الوالد للولد . على أساس من مقاييس الخير والدعاء له بالمغفرة والرحمة ، كما نرى كمال الرضا بقضاء الله وقدره ، وحسن التسليم لأمره فيما أخذ وفيما أعطى إذ أنه المحمود على كل حال .

قال زياد بن أبي حسان ـ وقد شهد عمر بن عبد العزيز حيث دفن ابنه عبد الملك لما دفنه وسوى عليه قبره بالأرض وضعوا عنده خشبتين من زيتون إحداهما عند رأسه والأخرى عند رجليه ، ثم جعل قبره بينه وبين القبلة واستوى قائمًا ، وأحاط به الناس ، فقال:

(رحمك الله يا بني لقد كنت بارًا بأبيك ، والله ما زلت منذ وهبك الله لي مسرورًا بك ، ولا والله ما كنت قط أشد بك سرورًا ، ولا أرجى بحظي من الله فيك منذ وضعتك في هذا المنزل الذي صيرك الله إليه ، فرحمك الله وغفر لك ذنبك وجزاك بأحسن عملك ، ورحم الله كل شافع لك بخير من شاهد أو غائب . رضينا بقضاء الله ، وسلمنا لأمر الله ، والحمد لله رب العالمين) ثم انصرف .

وعن عبد الجبار العطار حدثنا حزم قال: بلغنا أن عمر كتب إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن في شأن ابنه عبد الملك حين توفي:

(أما بعد: فإن الله تبارك اسمه وتعالى ذكره ، كتب على خلقه حين خلقهم الموت ، وجعل مصيرهم إليه ، فقال فيما أنزله من كتابه الصادق الذي حفظه بعلمه ، وأشهد ملائكته على حقه ، أنه يرث الأرض ومن عليها وإليه يرجعون . ثم قال لنبيه عليه السلام: [وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفئن مت فهم الخالدون] ثم قال: [منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى] فالموت سبيل الناس في الدنيا ، لم يكتب الله لمحسن ولا لمسيء فيها خلدًا ، ولم يرض ما أعجب أهلها ثوابًا لأهل طاعته ، ولم يرض ببلائها نقمة لأهل معصيته ، فكل شيء منها أعجب أهلها ، أو كرهوا منه شيئًا متروك ، لذلك خلقت حين خلقت ، ولذلك سكنت منذ سكنت ، ليبلو الله فيها عباده أيهم أحسن عملًا ، فمن قدم عند خروجه من الدنيا إلى أهل طاعته ورضوانه من أنبيائه وأئمة الهدى الذين أمر الله نبيه بهداهم .. خالد دار المقامة من فضله ، لا يمسه فيها نصب ، ولا يمسه فيها لغوب . ومن كانت مفارقته الدنيا إلى غيرهم وغير منازلهم ، فقد قابل الشر، وأقام على ما لا قبل له به . أسأل الله برحمته أن يبقينا ما أبقانا في الدنيا مطيعين لأمره ، متبعين لكتابه ، وجعلنا إذا خرجنا من الدنيا إلى نبينا ومن أمرنا أن نقتدي بهداه من المصطفين الأخيار، وأسأله برحمته أن يقينا أعمال السوء في الدنيا والسيئات يوم القيامة .

ثم إن عبد الملك بن أمير المؤمنين كان عبدًا من عباد الله أحسن الله إليه في نفسه ، وأحسن إلى أبيه فيه ، أعاشه الله ما أحب أن يعيشه ، ثم قبضه إليه حين أحب أن يقبضه ، وهو فيما علمت بالموت مغتبط ، يرجو فيه من الله رجاء حسنًا ، فأعوذ بالله أن تكون لي محبة في شيء من الأمور تخالف محبة الله ، فإن خلاف ذلك لا يصلح في بلائه عندي وإحسانه إلي ، ونعمته علي ، وقد قلت فيما كان من سبيله والحمد لله ، ما رجوت به ثواب الله وموعده الصادق من المغفرة ؛ إنا لله وإنا إليه راجعون ، ثم لم أجد والحمد لله بعده في نفسي خيرًا من رضى بقضاء الله ، واحتساب لما كان من المعصية ، فحمدًا لله على ما مضى وعلى ما بقي ، وعلى كل حال من أمر الدنيا والآخرة .

أحببت أن أكتب إليك بذلك وأعلمك من قضاء الله ، فلا أعلم ما عليه في شيء من قبلك ، ولا اجتمع على ذلك أحد من الناس ، ولا رخصت فيه لقريب من الناس ولا لبعيد ، واكفني ذلك بكفاية الله ، ولا ألومنك فيه إن شاء الله والسلام عليك .

مرة ثانية وثالثة ... وبلا حدود ... رحم الله عبد الملك ورحم والده عمر بن عبد العزيز الذي كان ربانيًا في ساعات الحكم والسلطة ... في ساعات العسر واليسر... عند النعمة تفيض عليه .. وعند المصيبة تصيبه .. ويا نعم ما علّم هؤلاء الرجال ... وكانوا قدوة بأقوالهم وأفعالهم وهم على إرث النبوة .

والخير كل الخير في العمل على الانتفاع بهذا النهج الذي هو على ذلك الإرث العظيم إرث النبوة . والله يتولى الصالحين .

الهوامش:

*"حضارة الإسلام"السنة 16 العدد الخامس والسادس رجب وشعبان 1395 آب ـ أيلول ـ 1975 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت