يقول ابن القيم معلقًا على تلك القصة وقصة عائشة مع الجاريتين اللتين كانتا يغنيان بغناء بعاث:"فقد أقر النبي -صلى الله عليه وسلم- الصديق على أن الغناء مزمور الشيطان .. فعلم أن هذا من الشيطان، وإن كان رخّص فيه لهؤلاء الضعفاء العقول من النساء والصبيان، لئلا يدعوهم الشيطان إلى ما يفسد عليهم دينهم، إذ لا يمكن صرفهم عن كل ما تتقاضاه الطباع من الباطل، والشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، فهي تحصل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، وتدفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما، فإذا وصف العمل بما فيه من الفساد مثل كونه من عمل الشيطان، لم يمنع ذلك أن يدفع مفسدة شرًّا منه وأكبر، وأحب إلى الشيطان منه، فيدفع بما يُحبّه الشيطان ما هو أحب إليه منه، ويحتمل ما يبغضه الرحمن ، لدفع ما هو أبغض إليه منه ، ويفوت ما يُحبه لتحصيل ما هو أحبّ إليه منه ، وهذه أصول من رزق فهمها والعمل بها فهو من العالمين بالله ، وبأمره"إلى أن قال:"وإذا لم يمكن حفظ العبد نفسه من جميع حظوظ الشيطان منه ، كان من معرفته وفقه وتمام توفيقه أن يدفع حظّه الكبير بإعطائه حظّه الحقير إذا لم يمكن حرمانه الحظّين كليهما ، فإذا أعطيت النفوس الضعيفة حظًا يسيرًا من حظّها ، يستجلب به من استجابتها وانقيادها خير كبير ، ويدفع عنها شر كبير أكبر من ذلك الحظ ، كان هذا عين مصلحتها، والنظر لها والشفقة عليها". ثم قال وهو يتحدث عن حديث ضرب المرأة الدفّ بمناسبة قدومه:"واحتمل صلى الله عليه وسلم ضرب المرأة التي نذرت إن نجاه الله أن تضرب على رأسه بالدفّ لما في إعطائها ذلك الحظّ من فرحها به ، وسرورها بمقدمه وسلامته الذي هي زيادة في إيمانها ومحبتها لله ورسوله ، وانبساط نفسها وانقيادها لما تؤمر به من الخير العظيم ، الذي ضرب الدفّ فيه كقطرة سقطت في بحر ، وهل الاستعانة على الحق ، بالشيء اليسير من الباطل إلا خاصة الحكمة والعقل، بل يصير ذلك من الحق إذا كان معينًا عليه ، ولهذا كان لهو الرجل بفرسه وقوسه وزوجته من الحقّ ؛ لإعانته على الشجاعة والجهاد والعفّة، والنفوس لا تنقاد إلى الحق إلا ببرطيل ، فإذا برطلت بشيء من الباطل لتبذل به حقًا وجودُه أنفع لها وخير من فوات ذلك الباطل كان هذا من تمام تربيتها وتكميلها ، فليتأمل اللبيب هذا الموضوع حقّ التأمل ، فإنه نافع جدًا .والله المستعان". (3)
إن التدرج المطلوب لا يقصد به التملص من بعض الشرع، فإن الشرع كامل وكله واجب، ولكن تطبيقه على الناس في أول أيام الحكم أو في دعوة الناس له قبل الحكم، أو في تربية الدعاة عليه يسوّغ للعالم المتأمل أن لا يتحدث به أو يُطبّقه دفعة واحدة، بل في خطوات لا تُبطئ به عن إقامة حكم الله -عز وجل- وتطبيق شرعه، هذه الخطوات ينظر فيها إلى الأهداف بدقة وبصيرة وتحدد الوسائل الموصلة إليها، وبالتخطيط والتنظيم والتصميم تصل المسيرة إلى المرحلة المنشودة والأخيرة التي فيها قيام الإسلام .. كل الإسلام .
ويدل على صواب هذا السلوك ما كان من الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- فقد جاء إلى الحكم بعد مظالم ارتكبها بعض الذين سبقوه فتدرج ولم يستعجل. فدخل عليه ولده عبد الملك فقال:"يا أبت ما يمنعك أن تمضي لما تريده من العدل؟ فوالله ما كنت أبالي لو غلت بي وبك القدور في ذلك. قال: يا بني: إني إنما أروّض الناس رياضة الصعب، إني أريد أن أحيي الأمر من العدل فأؤخر ذلك حتى أُخرج معه طمعًا من طمع الدنيا فينفروا لهذه ويسكنوا لهذه" (4) أي يخرج طمعهم بالموعظة والتأني ليكون عن قناعة لا بخوف من السطوة والعقاب.
ويبدو أن هذا الولد الصالح قد حاز حماسة فاقت التي عند أبيه فدعته إلى معاودة الاستغراب من سياسة التأخير والتدرج فكان منه أن"دخل على أبيه؛ فقال: يا أمير المؤمنين ما أنت قائل لربك غدًا إذا سألك فقال: رأيت بدعة فلم تمتها أو سنة فلم تحيها؟ فقال أبوه: رحمك الله وجزاك من ولد خيرًا ، يا بني: إن قومك قد شدّوا هذا الأمر عقدة عقدة ، وعروة عروة ومتى أردت مكابرتهم على انتزاع ما في أيديهم لم آمن أن يفتقوا عليّ فتقًا تكثر فيه الدماء . والله لزوال الدنيا أهون عليّ من أن يراق بسببي محجمة من دم ، أو ما ترضى أن لا يأتي على أبيك يوم من أيام الدنيا إلا وهو يميت فيه بدعة ويحيي فيه سنة؟". (5)
وقد شهد الحسن البصري رحمه الله على حصول هذا اليوم بقوله:"ما ورد علينا قط كتاب عمر بن عبد العزيز إلا بإحياء سنة ، أو إماتة بدعة ، أو رد مظلمة" (6)
إن مرحلة التدرج التي طبقها عمر بن عبد العزيز في خلافته التي لم تستغرق عامين سطرت من الإنجازات ما ملأت به أسفارًا من كتب التاريخ، حقيقٌ على أهل الإصلاح والتغيير تأمل هذا العمل والإنجاز العجيب.* الأستاذ بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن
(1) رواه البخاري (4707) 4/1910 .
(2) صحيح سنن الترمذي 3/206 رقم 2913 .