يقول جمال خاشقجي في مقاله: (مسألة الرمي قبل الزوال نموذج لأزمتنا مع فقه الرأي الواحد) : (إن قصة الرمي بعد الزوال نموذج لأزمتنا في السعودية مع الفقه المصر على النقل من كتب الأسبقين بل ليس كل الأسبقين وإنما عدد قليل منهم لا تملأ كتبهم رفا واحدا) 3 .
ويقول مبينا التخلف العلمي الذي تعيشه المؤسسة الدينية: (فالدولة السعودية وقيادتها متلاحمة مع الإسلام تلاحمًا لا خلخلة فيه، ولكن الدولة وقيادتها كانت دوما متقدمة على المؤسسة الدينية الرسمية في نظرتها للمستقبل، والتي بقيت مكان الاحترام وإن اضطرت الدولة إلى تجاوزها بسبب مواقفها المتصلبة في مسائل عصرية ثبت لاحقا أن موقف الدولة هو الصحيح، وآخر مسألتين جليتين في ذلك موضوع الجوال الكاميرا الذي كاد أن يجعلنا أنموذجا للتخلف، وأهم منه مسألة التأمين التي لو أخذت الدولة برأي المؤسسة لما كنا اليوم جزءًا من منظمة التجارة العالمية) 4 .
ويقول خالد الغنامي: (لا شك أن الأزمة أولا أزمة فقه ، فما زال كثير من الفقهاء لا يستشعرون تغير البعد الزماني والمكاني الذي يكتنف حياة المسلمين اليوم ، هؤلاء الفقهاء المرعوبون من فكرة التجديد والتحديث يريدون أن يبقى الفقه كما كان منذ ألف سنة) 5 .
وتقول أميرة كشغري: (إن هناك ترددا كبيرا من قبل الكثير من المسلمين في الأخذ باليسر ، إما عن جهل بالحكم الشرعي ، أو لعدم إدراك المقاصد الكبرى في العبادات ، والاكتفاء بأداء الشعائر دون إيلاء الجانب الروحاني ما يستحقه من مكانة) 6 .
هكذا يتعامل القوم مع هذا القول بمنع الرمي قبل الزوال وهكذا يتهمون القائلين به ، ويطالبون بتجاوزهم وتهميشهم ، أو قسرهم على رأيهم وأطهرهم عليه أطرا ، وكأن هذا القول شاذ لا رصيد له من دليل شرعي ، وكأنه لا قائل به من أهل العلم ، وهو في الحقيقة لمن له أدنى اطلاع شرعي قول الجمهور من أهل العلم ، ودليله أظهر وأقوى عند التأمل والنظر .
أليس الرسول صلى الله عليه وسلم هو القائل: (لتأخذوا عني مناسككم) 7 ، وهو الذي كان يتحين هذا الوقت ويتقصده للرمي دون ما قبله ، ومعلوم من هديه صلى الله عليه وسلم أنه ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما ، وأي الوقتين أيسر للرمي لو كان جائزا أأول النهار أم عند اشتداد حر الظهيرة ، ثم يتكرر هذا التحري في أيام التشريق جميعا ، ولا يصدر عنه صلى الله عليه وسلم إشارة من قول أو فعل لجواز الرمي قبله ، ومعلوم هدي النبي صلى الله عليه وسلم تركه للسنة الثابتة المستقرة أحيانا دلالة على سنيتها ودفعا لتوهم الوجوب .
فأي قرينة من قوله صلى الله عليه وسلم أو فعله دالة على أن فعله هذا للاستحباب دون الوجوب ، وهو يتقصده مع أنه أشق ، ويكرره في أيام الرمي جميعا كما تقدم ، فهلا تركه مرة إرشادا وتعليما ، أو نبه إليه بقوله ، أو فعله صحابي بحضرته فيقره ، أو يسأل عنه كما سئل عن غيره فيجيب تنبيها على جواز الرمي قبل الزوال ، ومن تأمل سياق الرويات في حجته صلى الله عليه وسلم يلحظ تسخير الله لبعض أهل الإيمان لأفعال تبين ما هو واجب من شؤون الحج وما يستحب وفي حديث (افعل ولا حرج) 8 آية عليه .
ومعلوم أن الشرع ما جاء لزمن النبوة دون ما بعده ، وأن اللطيف الخبير عليم بما يصلح العباد وبما سيؤول إليه أمر الحج وعدد الحجيج ، فلو كان الأمر بالوضوح الذي يريد دعاة الترخيص اليوم أن يصوروا المسألة لكان الشارع قد بين الأمر بيانا جليا ظاهرا يرفع الالتباس الذي أوقع الجماهير من أهل العلم فيه ، فلما لم يكن مثل هذا البيان موجودا ، بل الموجود عكسه من فعل النبي صلى الله عليه وسلم ، المؤكد بالتكرار ، المؤكد بقوله: (خذوا عني مناسككم) كان فيه دليلا على أن التوقيت مقصود شرعا ، وأنه لو كان ثمة ترخص جائز لكان التنصيص واردا فيه كوروده في غيره ، ولذا أفتى عبدالله بن عمر بعدم الرمي قبل الزوال حيث قال: (لا ترمى الجمار في الأيام الثلاثة حتى تزول الشمس) 9 ، وتابع ابن عمر على فتياه هذه جمهور العلماء .
وليس القصد التوسع في عرض المسألة ودلائلها ، كلا ، ولا مصادرة رأي من يجوز الرمي قبل الزوال ، ولا الإنكار على عالم تبناه باجتهاد ، أو مقلد اتبع فيه عالما بحق طلبا للحق ، كيف وأئمة كبار وعلماء أجلة قد قالوا به في القديم والحديث ، لكن المقصود وضع الأمر في نصابه الشرعي الصحيح ، وبيان المنهج الشرعي الصحيح في التعاطي مع هذه المسألة وغيرها ، والتحريج على من يرمي الجمهور من أهل العلم بمختلف التهم بدءا بالجهل والغفلة عن فقه المقاصد ، وانتهاء بالتشدد والغلو والتعلق (بقشور الحج) ! دون لبابه ، كما عبر بعضهم .