وربما ادعى بعض أصحاب هذه العلوم معرفة الله وطلبه والإعراض عما سواه، وليس غرضهم بذلك إلا طلب التقدم في قلوب الناس من الملوك وغيرهم، وإحسان ظنهم بهم، وكثرة اتباعهم، والتعظم بذلك على الناس. ومن علامات ذلك: عدم قبول الحق والانقياد إليه، والتكبر على من يقول الحق خصوصًا إن كان دونهم في أعين الناس، والإصرار على الباطل خشية تفرق قلوب الناس عنهم بإظهار الرجوع إلى الحق، وربما أظهروا بألسنتهم ذم أنفسهم، واحتقارها على رؤوس الأشهاد؛ ليعتقد الناس فيهم أنهم عند أنفسهم متواضعون، فيمدحون بذلك، وهو من دقائق أبواب الرياء .
ويظهر منهم من قبول المدح واستجلابه مما ينافي الصدق والإخلاص، فإن الصادق يخاف النفاق على نفسه، ويخشى على نفسه من سوء الخاتمة، فهو في شغل شاغل عن قبول المدح واستحسانه، فلهذا كان من علامات أهل العلم النافع أنهم: لا يرون لأنفسهم حالًا ولا مقامًا، ويكرهون بقلوبهم التزكية والمدح، ولا يتكبرون على أحد، قال الحسن:' إنما الفقيه الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، البصير بدينه، المواظب على عبادة ربه، الذي لا يحسد من فوقه، ولا يسخر ممن دونه، ولا يأخذ على علم علَّمَه اللَه أجرًا ' .
وأهل العلم النافع كلما ازدادوا في هذا العلم، ازدادوا تواضعًا للَّه، وخشية وانكسارًا وذلًا.
ومن علامات العلم النافع: أنه يدل صاحبه على الهرب من الدنيا، وأعظمها الرئاسة، والشهرة، والمدح، فالتباعد عن ذلك، والاجتهاد في مجانبته من علامات العلم النافع، فإذا وقع شيء من ذلك من غير قصد واختيار؛ كان صاحبه في خوف شديد من عاقبته بحيث أنه يخشى أن يكون مكرًا واستدراجًا كما كان الإمام أحمد يخاف ذلك على نفسه عند اشتهار اسمه وبعد صيته.
ومن علامات العلم النافع: أن صاحبه لا يدعى العلم، ولا يفخر به على أحد، ولا ينسب غيره إلى الجهل إلا من خالف السنة وأهلها، فإنه يتكلم فيه غضبًا للَّه، لا غضبًا لنفسه، ولا قصدًا لرفعتها على أحد.
وأما من علمه غير نافع: فليس له شغل سوى التكبر بعلمه على الناس، وإظهار فضل علمه عليهم، ونسبتهم إلى الجهل، وتَنَقُّصهم ليرتفع بذلك عليهم، وهذا من أقبح الخصال وأرداها. وربما نسب من كان قبله من العلماء إلى الجهل والغفلة والسهو، فيوجب له حب نفسه، وحب ظهورها إحسان ظنه بها، وإساءة ظنه بمن سلف. وأهل العلم النافع على ضد هذا يسيئون الظن بأنفسهم، ويحسنون الظن بمن سلف من العلماء، ويقرون بقلوبهم وأنفسهم بفضل من سلف عليهم، وبعجزهم عن بلوغ مراتبهم، والوصول إليها، أو مقاربتها، وما أحسن قول أبي حنيفة- وقد سئل عن علقمة والأسود أيهما أفضل- فقال:' واللَه ما نحن بأهل أن نذكرهم فكيف نفضل بينهم'.
ومن علمه غير نافع إذا رأى لنفسه فضلًا على من تقدمه في المقال، وتشقق الكلام ظن لنفسه عليهم فضلا في العلوم، أو الدرجة عند اللَه لفضل خص به عمن سبق، فاحتقر من تقدمه، واجترأ عليه بقلة العلم، ولا يعلم المسكين أن قلة كلام من سلف إنما كان ورعا وخشية للَّه، ولو أراد الكلام، وإطالته لما عجز عن ذلك. وقال بعض السلف:' إن كان الرجل ليجلس إلى القوم، فيرون أن به عيًّا، وما به من عي، إنه لفقيه مسلم' .
فمن عرف قدر السلف عرف أن سكوتهم عما سكتوا عنه من ضروب الكلام، وكثرة الجدال والخصام، والزيادة في البيان على مقدار الحاجة لم يكن عيًا ولا جهلًا ولا قصورًا، وإنما كان ورعًا وخشية للَّه، واشتغالًا عما لا ينفع بما ينفع.
وسواء في ذلك كلامهم في أصول الدين وفروعه، وفي تفسير القرآن والحديث، وفي الزهد والرقائق، والحكم والمواعظ، وغير ذلك مما تكلموا فيه، فمن سلك سبيلهم؛ فقد اهتدى، ومن سلك غير سبيلهم، ودخل في كثرة السؤال والبحث والجدال، والقيل والقال.
فإن اعترف لهم بالفضل، وعلى نفسه بالنقص كان حاله قريبًا، وقد قال إياس بن معاوية:' ما من أحد لا يعرف عيب نفسه إلا وهو أحمق' قيل له فما عيبك؟ قال:' كثرة الكلام'. وإن ادعى لنفسه الفضل، ولمن سبقه النقص والجهل؛ فقد ضل ضلالا مبينًا، وخسر خسرانًا عظيمًا.
وفي الجملة ففي هذه الأزمان الفاسدة إما أن يرضى الإنسان لنفسه أن يكون عالمًا عند اللَه ولا يرضى بأن يكون عند أهل الزمان عالمًا. فإن رضي بالأول فليكتف بعلم اللَه فيه. ومن كان بينه وبين اللَه معرفة، اكتفى بمعرفة اللَه إياه. ومن لم يرض إلا بأن يكون عالمًا عند الناس دخل في قوله صلى الله عليه وسلم: [ مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ أَوْ لِيُبَاهِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ أَوْ لِيَصْرِفَ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ فَهُوَ فِي النَّارِ] رواه ابن ماجة والترمذي-بنحوه- والدارمي . قال وهيب بن الورد:' ربَّ عالم يقول له الناس عالم، وهو معدود عند اللَه من الجاهلين'.