والتعامل مع عادات الناس وطبائع الشعوب من الفقه الذي نحتاج أن نحسنه، وفي ظني أن الدعوة ستكسب خيرًا كثيرًا إذا وفق الله الدعاة أن يستثمروا الجوانب الحسنة في عادات الشعوب؛ ويجعلوا منها طريقًا موصلًا إلى الله.. وهذا هو عين ما فعله الإسلام يوم أبقى على عادات العرب وأخلاقهم التي لا تعارض الدين، ونقاها من الشوائب والمكدرات؛ فالكرم الذي عرفوا به، وتمادحوا به في أشعارهم حض عليه الإسلام، ولكن لم يعد الباعث عليه مخافة الذم كما هو الحال عندهم، ولكن كما قال القرآن: (إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءًا ولا شكورًا) .. والشجاعة في القتال من مفاخر العرب، وجاء الإسلام؛ ومدح هذه الشجاعة، غير أنه حدد لها إطارًا؛ فلا يجوز للرجل أن يقاتل شجاعة أو حمية، وإنما من يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا؛ فهو في سبيل الله.
ومن حق العادات الحسنة أن تشكر، وأن يقابلها الدعاة بمشاعر التأييد؛ حتى يشتد عودها؛ وتصبح من بعد تقليدًا متبعًا، وقاعدة ينطلق منها الدعاة إلى الله في تكثير الخير وتكميله؛ إذ البداية من الأمور المتفق عليها والعادات المستقرة عند الناس أولى من الدخول معهم في صراع حول مسائل لم تبلغها عقولهم؛ ولم يسلموا بها، وقد أخبرنا الله في كتابه أن من أسباب رد الحق احتجاب العقل عن إدراكه؛ فقال: (بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله) ؛ فلتكن من بداياتنا في الدعوة توظيف الأعراف المأذون بها فضلًا عن الأعراف التي هي من صميم ديننا.. أقول هذا وأنا أدرك أن كثيرًا من أعرافنا الحسنة في المجتمعات الإسلامية ربما اختلطت بها بدع ومخالفات شوهت صورتها، ونفرت الطيبين عنها، ولكن العاقل من لا يفوّت أصل المصلحة تشوفًا لكمالها، ولا يُبطل العرف الحسن لاختلاطه بمنكر قبيح.
وعلى الدعاة أن يدركوا أيضًا أن دورهم لن ينتهي بإصدار الأحكام على أعراف الناس أو نقدها؛ فالنقد مهما كان صوابًا فلن يجد آذانًا صاغية؛ حتى نقدم للناس البديل الصالح الذي يتشبثون به؛ (قال أوَ لو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم) ؛ إن لوطًا عليه السلام أنكر ما عليه قومه من فاحشة الشذوذ وما وقف عند هذا الحد!، ولكنه ندبهم إلى الزواج (البديل الطاهر) ؛ وقال لهم: (هؤلاء بناتي هن أطهر لكم) ؛ فوظيفة الأنبياء ليست إنكار المنكر فحسب، ولكنها مع ذلك إرشاد ودلالة إلى المعروف وطريق الخير والرشاد؛ (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوارة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم) .
إن تقديم البديل الصالح للواقع المنحرف هو الذي سيمنح مشاريع الإصلاح الدعوي قوتها، ويكسبها القبول والثقة؛ فالناس مجبولون على التعلق بما يرونه ماثلًا أمامهم، قائمًا في حياتهم.. ونظرهم إلى الواقع المعاش أسبق من نظرهم إلى الأفكار؛ لذلك قلَّ أن يتمسكوا بشيء غير معهود، أو يتأثروا بموعظة مجردة عن السلوك.. وهذا هو السر في أن الله تعالى أنزل الكتاب، وأرسل الرسول الذي يتحرك بالكتاب، ويمشي به في الناس، ويجرد من نفسه أسوة حسنة؛ وبهذا يقع التأثير، ويتحقق الصلاح.. وقد قرن نبي الله شعيب بين القدوة الحسنة التي تتبع القول العمل والإصلاح المنشود؛ فقال لقومه: (وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب) .
فالخطاب الدعوي المعاصر يجب أن يركز في هذه المرحلة من تاريخ الأمة على البرامج العملية القادرة على مناهضة الواقع الفاسد، وإشاعة العرف الراشد، أما الحديث - الموصول (وكدت أقول:(المعسول ) ) - عن الحل الإسلامي وبيناته فلا يكفي وحده؛ و (هل ينتفع المرضى - كما قال أحد المشايخ: بمن يقول لهم الدواء هو الحل؟!) .