ب ـ حمايه المرجعية من العبث والمحافظة على التميز ، وذلك باعتبار (القرآن الكريم والسنة الشريفة وما يتبعه من علوم الأمة) المرجع الوحيد ، الذي لا يجوز التلقي من غيره (3) ، إلا بالخضوع لمنهجه ، وهذا يحقق للامة وحدة المشرب ووحدة التفكير ، ويحفظ لهذا العقل الصفاء والتميز والاستقلال ، ويحميه من التلوث بالمناهج المخالفة .
ج ـ وتأكيدا لذلك الأمر في المحافظة على صفاء المنهج ، انخلع المسلم من ثقافته السابقة ( الجاهلية ) و رمى بها من وراء ظهره ، لأن القرآن الكريم ، لا يفتح كنوز علمه لمن يريد أن يفرض عليه ثقافته السابقة ، حيث تقف هذه الثقافة حاجزا ومعطلا بينه وبين فهم القرآن ،وهنا يمكن أن نفرق بين تخزين الخبرة الثقافية وبين نقل الثقافة .
د ـ يعترف المسلم أن العقل البشري طاقة هائلة ، وبه يتم اكتشاف واستيعاب سنن الله في الكون والحياة ، وبه يتم فقه أوامر الله سبحانه وتعالى فيما جاء من علوم الوحي ، ولكنه يعلم أنه محدود القدرة ، ولذلك يجب ألا تهدر طاقاته فيما لا يستطيع ، مما هو ليس من قدرته ولا في مجاله ، كالبحث في عالم الغيب ، وتفسير الوجود ، والإجابة على الأسئلة الكبرى من أمور العقيدة، والعبادات ، وقواعد بناء المجتمع الفاضل ، والعدل، والسلوك ،والأخلاق ،والتشريع لحياة البشر بالتحليل أو بالتحريم ) ولذلك فهو قاصر فيها ، فيكل هذه الأمور إلى علم الوحي لأن الحاكمية فيها لله وحده ، ووظيفة العقل في هذه الأمور هي: الاستيعاب لنصوص الوحي، وفقه مقاصدها، وتنفيذ الأوامر الربانية الواردة فيها .
أما في المتغير من حياة البشر وفيما يخص البناء الحضاري والجانب المادي واكتشاف سنن الكون والحياة ، فيتعامل معها من خلال منهج ( الاجتهاد والتجديد والاكتشاف ) لأن الوحي أحاله إلى ذلك .
ومعنى ذلك أنه عقل يجمع بين منهجية (الثابت والمتغير ) في وحدة واحدة، لأن ثوابت الوحي هي المحاور الربانية التي تضبط السلوك البشري وتحمي عقول الناس من التخبط والضلال أو الخضوع للهوى والمصالح .
هـ ـ غاية العقل المسلم هي إشباع حاجات الإنسان ،من خلال التعرف على منهج الحق والخضوع له في هذا الإشباع ، لأنه يعلم مسؤولية الإنسان عن هذا الإشباع ، أمام الله سبحانه وتعالى .
وـ يفهم العقل المسلم قضية التطور على أنها التعمق في فهم الحق والبحث عن الحقيقة اقترابا من الصواب ، الذي يرضي الله سبحانه وتعالى ، أما التطور الذي يقوم على أسلوب القفزات ، التي تحكمها الأهواء والمصالح وحظوظ النفس ، فهو ليس من منهجه .
ز ـ أمضى العقل المسلم فترة تقارب قرنين من الزمن في توثيق وحماية نصوص المرجعية ( جمع القرآن الكريم ، وجمع السنة النبوية الشريفة ) ثم انتقل إلى علم معرفة النص واستنباط علاقته مع الواقع ومناهج الوصول إلى فهمه وتطبيقه من خلال ( علم أصول الفقه ) الذي يمهد إلى علم الفقه العام .
حـ ـ ( كانت الثقافات السائدة قبل الإسلام تعتبر الواقع موضوعا خسيسا غير كفيل بأن يوصل إلى الحق وإلى الخير ، فالثقافة اليونانية تعتبر رأس الفضائل التعقل المجرد ، والثقافة الهندية والفارسية تعتبر أن المجاهدة الروحية( الروحنة ) الطريق الوحيد إلى الحق ، وفي ذلك نفي للواقع المحسوس وإسقاط له ) (4) فكان التفكير يعيش مع المثال والخيال ويتهرب من الواقع والعمل فيه ، ويترك العمل للطبقات المستعبدة في المجتمع .
فلما جاء الإسلام علم العقل المسلم احترام حقائق هذا الواقع ( عالم الشهادة ) وألزمه به ، وجعله مكان خلافته وتكليفه ، قال تعالى: ( إن في خلق السماوات و الأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون ) (5) .
وقد مَنَّ الله سبحانه وتعالى عليه بنعمة الحواس التي تربطه بهذا الواقع ، و أحال حواسه وعقله إلى اكتشاف السماوات والأرض واكتشاف السنن والقوانين التي تحكمها ، ثم أمره بالاستفادة من اكتشاف هذه السنن في بناء حياته وحضارته على الأرض ، وعلمه أن هذه السنن وهذه السماوات وهذه الأرض تشير إلى عظمة الخالق ، وتعلمه الإيمان ، وان هذه السنن تطيع خالقها ، ولا تجامل مؤمنا ولا كافرا ، وطالبه أن يتعلم من هذه السنن ، فيأخذ بالأسباب التي تحكمها ، ليستفيد من ذلك في تيسير حياته الدنيا على الأرض .
وعلمه أن الأخذ بالأسباب أمر رباني ، وأن تركها كفر ، وأن التوكل عليها من دون الله شرك ، ودعاه إلى التقرب من خالق الأسباب ( بالدعاء ) حتى يعينه على امتلاك ناصيتها .