ولعلي أنتقل بكم كذلك إلى صورة صيفية أخرى، صور الشواطئ وما أدراك ما الشواطئ التي تمتلئ في بقاع الأرض إلا ما رحم الله ! تمتلئ بالمصطافين ونرى ذلك في بلاد إسلامية وغير إسلامية، ونرى ما يقولونه من راحة واستجمام، ونرى معه ما في ذلك من عري وفسق وما فيه كذلك من حفلات ماجنة وعورات مكشوفة وغير ذلك، ويقترن هذا مع الصيف بل ويدعى إليه ويروج له ويرغب فيه ويتكرر ذلك لنرى مرة أخرى صيفا آخر في الواقع، وشواطئ أخرى في الواقع، شاطئ غزة حدثتكم أحداث الأمس القريب والأيام الماضية، كيف هو مشتعل لا بحر الصيف بل بنيران القذائف، كلكم ربما سمع أو شاهد الطفلة هدى، وهي ترى أباها وأسرتها تموت بين يديها على تلك الشواطئ التي لم تكن راحة واستجمام؛ بل كانت في صورة أخرى تمثل صورة قصف وإجرام، وبغي وظلم، وصور مؤلمة محزنة، كأن الذين يعيشون على الشواطئ الأخرى لم يسمعوا بها، أو لا يريدون أن يذكرهم أحد بها ليبقوا في غفلتهم أو متعتهم أو لهوهم كما يشاءون، ولكني أحدث نفسي وأحدثكم بلسان تلك الطفلة قائلة:
يا من مررتم فوق جرحي
فوق أشلائي
كأني لست من باقي البشر
شكرا لكم
يا من رأيتم ما أعاني
في حصاري واحتضاري
ثم نمتم تحت أنغام القمر
ماذا جنيت لكي أعيش على العذاب
ونداء جرحي في عواصف صمتكم صوت وغاب
قد كنت أحسب أنكم مني
ولكن ليس مني من سباني
ليس مني من بكاني في ثواني
ثم عاد للوسائد والأماني
لا بد أن نستحضر المقارنة، لا لنجرم أو نحرم الراحة أو المتعة المباحة، ولكن لنعيش آلام وآمال أمتنا ولنعيش واقع عصرنا، ولندرك الحقائق والسهام المصوبة نحو أمتنا، وليس ذلك فحسب بل لنتذكر أيضا آيات ربنا وأحاديث نبينا صلى الله عليه وسلم: {وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق } .
ونستحضر حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: ( المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يسلمه ) .
أسلمناهم للعدو وبقينا نتفرج، بل ونهرِّج، بل ونستعد لمتع هنا وهناك تتوالى صورها المختلفة وأنماطها المتعددة، أنتقل بكم مرة أخرى إلى صورة ثالثة، صورة الإنفاق المالي في الصيف وما أدراك ما الصيف، خذوا هذه الأرقام حديثة عهد منشورة في هذا اليوم عن صيف العام الذي مضى في بلادنا هذه، ومرة أخرى ليس من تحريم ولا تجريم ولكن انظروا للمقارنة والاعتبار، تقول إحصائية الهيئة العليا:
"إن مجمل ما كان في الصيف الماضي داخل البلاد شكل ثلاثين مليون رحلة جوية واستؤجرت فيها مائة وستة وتسعون مليون ليلة وكان إجمال المبالغ التي أنفقت واحد وثلاثون مليار ريال، وأما في السياحة الخارجية فكانت نحو أربعين مليون رحلة وخمسة وخمسون مليون ليلة وشكلت في مصاريفها أربعة عشر مليار ريال، والمجموع خمسة وأربعون مليار ريال أنفقت"
وأكرر رابعة وخامسة: ليس من تجريم ولا تحريم، لكني أقول احسبوا واحدا بالمائة من هذا الرقم فستجدونه يشكل أربعمائة وخمسون مليون ريال، ولو قلتم عشرة بالمائة لكانت أربعة مليارات ونصف مليار مليون ريال، فلعلي أقول لكل أحد ينفق قليلا أو كثيرا، احسب هذه النسبة واحد بالمائة أو عشرة بالمائة، كلما أنفقت مائة أخرج مقابلها ريالا أو عشرة ريالات اجعلها لمن يعيشون الصيف في حال أخرى غير حالك، لنجسد الصورة المثلى لحقيقة الإيمان والأخوة الإيمانية والرابطة الإسلامية { إنما المؤمنون إخوة } .
والصورة البديعة الرائعة المشرقة التي لم يسجل التاريخ لها مثيلًا:
{والذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} .
صنعها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ملحمة خالدة وصفحات ناصعة من الإيثار الذي اقتسموا فيه أموالهم، الذي فتحوا فيه دورهم، التي شكلت أعظم امتزاج روحي معنوي ومادي حسي جعل كل مسلم أخا حقيقيا لأخيه المسلم حتى في آخر رمق من رمق الحياة وتلك الأخوة تتجدد وتتجذر في واقع المسلمين يوم كانوا بإيمانهم وبدينهم مستمسكين، أفليس حقا علينا في صيفنا هذا أن نعطي مثل هذه النسبة؟! لا أقول لا تنفق ولا تذهب، ولكن أقول: لا تنس ولا تغفل، إن القذائف المرسلة إلى هناك لا تنال من إخواننا فحسب، إنها تنال من كرامتنا وعزتنا ومكانة أمتنا، بل في الحقيقة تنال من حقائق ثباتنا على ديننا وتمثيلنا لإسلامنا، وهي التي يمكن أن تكون معادلة كما أشرت من قبل مرارا تغير الواقع تغييرا جذريا بمقاييس الإيمان، {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله} ، {وما ذلك على الله بعزيز } .
والتاريخ يجدد نفسه، والسنن الربانية الماضية لا تتغير ولا تتبدل { ولن تجد لسنة الله تحويلا } ، { ولن تجد لسنة الله تبديلا } .