واعتبر كل تصحيح للسلوك البشري هو مجرد قمع وزجر. وفي معرض حديثه عن الإنسان وقلقه أمام عمليات التنشئة الموجهة يعتبر أن الأنا تتكون في داخلها نزعة مخالفة، تلاحظ، تمنع، تنتقد، تسمى الأنا الأعلى. وهكذا فالأنا قبل أن تستجيب للغرائز تجد نفسها مرغمة على الأخذ بعين الاعتبار ليس فقط المخاطر الخارجية، ولكن أيضًا ما تفرضه الأنا الأعلى (2) . ولذلك نجد فرويد يعتبر كل محاولة خارجية لعقلنة الفعل الإنساني سببًا للألم، لأنها تمنع الأنا من ممارسة حقائقها الداخلية الخاصة بها. وتجب الإشارة إلى أن نظرية فرويد قد ارتبطت بالفكر الوجودي، حيث إن فكرة الموت كانت تمثل له ذلك الشقاء الأبدي. ولذلك فقد ربط الطبيعة الإنسانية بالعدوانية وتيمة الموت. إن نظرية فرويد لا تميز بين السلوك الحيواني والإنساني في حين أن هناك فرقًا بينهما. صحيح أن الإنسان تحركه أحيانًا دوافع أقرب إلى البهيمة، ولكن الواضح هو أن الغريزة عند الحيوان جامدة لا تتغير بينما نجد الغريزة الإنسانية قابلة للتغير والتقويم، وهنا يأتي دور التربية والثقافة المدرسية والمجتمعية والأسرية والدينية. ففي القرآن الكريم آيات تحدد مسافتين زمنيتين عند الإنسان:
ـ زمن الغريزة التي تختلف فيها درجة الحيونة.
ـ زمن التصحيح بعد تدخل طرف خارجي.
ومن هذه الآيات:
ـ {إنَّ الإنسان لفي خسر* إلاَّ الذين آمنوا وعملوا الصَّالحات} [العصر: 2 - 3 ـ] . {واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف ين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا} [آل عمران: 103] .
ـ {و أنا لمّا سمعنا الهدى آمنّا به} [الجن: 13] .
لكن فرويد يريد أن تخرج الغريزة الحيوانية إلى الوجود دون عائق. لهذا فهو يرفض التربية والأخلاق. ففي كتابه (قلق الحضارة) يركز على مصطلحين هما الشقاء والصراع، شقاء الإنسان أمام عدم تحقيق نزواته، ثم صراع الدين والأخلاق مع الغرائز.
2ـ التصور الماركسي للطبيعة الإنسانية:
يؤكد هذا التصور الطابع الاجتماعي للطبيعة الإنسانية، أي أن الذي يحدد قيمة الفرد هو موقعه داخل العلاقات الاجتماعية التي تربطه بالمجتمع الذي يحيا فيه ويمارس فيه كينونته. وهذا الاعتقاد دفع ألتوسير إلى ربط كل فعل تربوي بقوى وعلاقات الإنتاج وبالقوى المسيطرة عليه. ولذلك فهو يرفض المدرسة ويعوضها بالوسط الاجتماعي كمؤسسة بديلة ودون توجيه. على عكس المدرسة التي تؤدلج الفعل التربوي. إن الإنسان في ظل هذا التصور لا قيمة له في غياب النسق الاجتماعي الذي يكمل وحدة الإنسان الجوهرية. وهذه النظرة التشييئية تجعله مجرد مادة أو رقم اقتصادي وبالتالي يتجرد من الفكر والعاطفة والسلوك. إذ إن إكمال وحدة الفرد موكولة للمجتمع وبناه الاقتصادية. وفي هذه الحالة نلاحظ أن التواصل الإنساني يقوم على وحدة الأجسام والبطون وليس على وحدة القلوب وألفة النفوس (3) .
3ـ التصور الإسلامي للطبيعة الإنسانية:
لقد عالج الإسلام الطبيعة الإنسانية بفلسفة تربوية نابعة من خطاب قرآني وسنة نبوية. والملاحظ أن الإسلام اهتم في توجهه التربوي بالفرد ثم حاول ضبط هذا الكائن داخل الفئة الاجتماعية. وهذه الأخيرة تعتبر جزءًا من الأمة عامة. ولعل المساجد التي ينظر إليها على أنها مؤسسة تقليدية قد أدت أدوارًا تاريخية في التنشئة على فهم الحقوق والحدود والواجبات. وإذا تأملنا القرآن فإننا نلاحظ تركيزه على مسألة المعرفة: معرفة الله/ معرفة النفس/ معرفة الكون/ معرفة الجنة والنار. ومصدر هذه المعرفة كتاب ناطق وخبر مجتمع عليه (السنة) . ففي سورة العلق يقول الحق سبحانه: {اقرأ باسم ربك الذي خلق* خلق الإنسان من علق* اقرأ وربك الأكرم* الذي علم بالقلم* علم الإنسان ما لم يعلم} [العلق:1 ـ4] والملاحظ أن هناك خمسة مركبات فعلية: اقرأ ـ اقرأ ـ علم ـ يعلم ـ علم + (خلق) .
ثم إن هناك مسافة بين فعل القراءة كمرحلة أولى والعلم كمرحلة أرقى. وجاءت الآية رقم2: {خلق الإنسان من علق} بمثابة حد فاصل بين القراءة والعلم. وهذا دليل على أن المعرفة درجات تبدأ من عملية القراءة إلى غاية العلم بالظواهر. وهذا التقسيم في الآيات من سورة العلق (الآية 1 إلى الآية 5) يعطينا ثلاثة أمور أساسية:
1ـ أن الأمر بالقراءة جاء من قوة إلهية هي التي خلقت هذا الذي يجب أن يقرأ، وهذه الملاحظة تؤكد حكم الله في الصنع (نطفة ـ علقة ـ مضغة ـ عظام ـ لحم) ولذلك ففعل الأمر لم يأت عبثًا، وإنما من خالق، صانع، مصور يعرف مأموره منذ النشأة الأولى.
2ـ أن القراءة تصبح وسيلة لمعرفة شيئين: الذات الإنسانية نفسها، ثم الذات الإلهية التي وراء هذا الخلق.