فهرس الكتاب

الصفحة 8532 من 27345

3ـ حين تسمح القراءة للإنسان بمعرفة ذاته وربه، فإنها ترقى إلى قراءة أخرى أعمق هي العلم، وبالتالي سيعلم الإنسان مجموعة أشياء كان يجهلها سابقًا {ما لم يعلم} ومنها: كينونته/ وظيفته/ اختلافه عن باقي المخلوقات/ حقوقه/ واجباته/ ربه. ويحتل لفظ (القلم) دلالة بالغة في الآية رقم 4، فهو وسيلة للتدوين والحجة. إنه الذاكرة الثانية بعد العقل، كما أنه جاء كناية عن تنظيم المعرفة والانتقال بها من السماع إلى التدوين حتى يربط الإنسان بالممارسة الدائمة. ثم إن كلمة (علم) تعني (لقن/ كون/ ربى/ صحح/ أنشأ/ ونقل من حالة إلى أخرى) ، وهذه المدلولات تؤكد أن الإنسان ليس سلعة مادية أو رقمًا اقتصاديًا في سوق الإنتاج كما يدعي ماركس وأتباعه، وليس نزوة حيوانية كما يعتقد فرويد، وإنما هو:

جسد: وجود أعضاء وظائفية لها ارتباط بالسلوك.

وعقل: تمييزه عن الحيوان.

وعاطفة: وجود دوافع بيولوجية وأخرى خارجية.

وسلوك: وجود مواقف وأفعال وحركات ذات معنى.

وهذه الآيات تتحول مع الدُّربة إلى واقع إنساني يمتلك القدرة العقلية والعاطفية على الاختيار والتمييز والحكم. وحين كرم الله آدم وأمر الملائكة بالسجود له كما في سورة البقرة: {وأذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة} [البقرة: 30] والحجر: {وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرًا من صلصال من حمأ مسنون* فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين*} [الحجر: 28 ـ 29] إنما هو دليل على قيمة الصورة الخلقية {فتبارك الله أحسن الخالقين} [المؤمنون: 14] والقيمة العقلية. وتظهر الميزة العقلية التي كرم بها الله الإنسان في نقله من ظلمة الأمية إلى نور المعرفة ومن ظلام الجاهلية والبهيمية إلى نور العلم والإيمان. ففي سورة الجن نلاحظ هذا التحول {...إنا سمعنا قرآنا عجبا* يهدي إلى الرشد فآمنا به...} [الجن: 1 - 2] . الجن في السابق طرائق قدد فتحولوا إلى الهدى والتوحد حول الحق. فالإنسان حين يمتلك المعرفة من مصدرها القرآني بالعين والصورة والسمع، والترغيب والترهيب، فإنه سيكتشف حقيقة وجوده ووظائفه. صحيح أن فروع المعرفة العلمية التي تناولت بالتحليل الإنسان كموضوع للدراسة، صحيح أنها أقرت كذلك بالمعرفة، ولكن ما نوع هذه المعرفة؟ ماذا أعطت للإنسان؟ ما علاقتها بالضمير الإنساني الحي؟ فهناك المعرفة اللغوية عند بياجي وتشومسكي ووبسون لابار، وهناك المعرفة الاجتماعية عند دور كايم، والمعرفة النفسية عند واطسن وسكينر وبافلوف، وهناك المعرفة الفلسفية عند ألتوسير وشبنغلر، وهرمان هسه وهايدغر، وهناك المعرفة العلمية المخبرية. ولكن هذه المعارف لم تجب عن تساؤلات الإنسان بما يشبع حاجته النفسية ويحقق له سعادته الدينية والدنيوية، حيث كثرت ظاهرة الانتحار عند كثير من الفلاسفة والعلماء.

وإذا رجعنا إلى السنة النبوية نجد أحاديث كثيرة في هذا السياق. ومعلوم أن السنة جاءت لتبين أو تؤكد حكمًا في القرآن، يقول عليه الصلاة والسلام: «مروا أبناءكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع» (4) . هذا الحديث فيه ثلاثة أحكام تربوية وسيكولوجية عميقة:

الأولى معنى الفعل مروا + اضربوا + فرقوا. فهناك تداخل بين مجموعة عمليات تتعلق بالصلاة والتعود عليها ثم المحافظة على أدائها، وهذه العمليات ترتبط بالتدرج في السن. حيث إن المعرفة لها حدود ووظائف عقلية نمائية. وهنا تصبح المعرفة الدينية مشروعًا إنسانيًا كبيرًا هو تطهير البدن والعقل والسلوك. وهذا التطهر ينزع صفة الحيوانية عن الكائن البشري لذلك يقول تعالى: {وما يستوي الأعمى والبصير} [فاطر: 19] .

الثانية تتعلق بالمعرفة في جانبيها الدنيوي والديني، فالحديث لا يفصل المعرفة عن السلوك فما قيمة المعرفة إن لم يتغير سلوك صاحبها؟ {كبر مقتًا عند الله أن تقولوا مالا تفعلون} [الصف:3] .

الثالثة تتعلق بالتفريق في المضاجع، فالرسول يراعي الاختلاف الجنسي الذي قد يتحول عند الإنسان البهيمي أو الطفل اللامسئول إلى نزعة عدوانية. ولذلك وجب التفريق بين الأطفال في النوم لدرء كل ما يمكن أن يسيء إلى التكريم الذي خص به الله عباده في سورة الإسراء، قال تعالى: {ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر} [الإسراء: 70] .

إن المعرفة الإنسانية في الفهم الإسلامي تعتبر تربية، وعلمًا بالحقيقة وسلوكًا مسؤولًا في الحياة. وعليه فإن هناك أنواعًا معرفية في القرآن الكريم هي:

1ـ المعرفة الإخبارية:

وهي التي يسرد لنا فيها القرآن أخبارًا عن الجنة والنار والخلق والكون، بحيث تتجمع عند الإنسان معلومات أولية سيخضعها للعقل والتجربة والمعيشية، وينقسم هذا الإخبار إلى ما كان وما سيكون وما هو كائن.

{وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه} [القصص: 7] .

{ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح} [الملك: 5] .

{إذا وقعت الواقعة* ليس لوقعتها كاذبة*} [الواقعة: 1 ـ 2] .

{سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق} [فصلت: 53] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت