{ هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولوا الألباب*} [إبراهيم: 52] .
2ـ المعرفة المرئية:
وتتعلق بالمشاهدة العينية لبعض الظواهر والكائنات الدالة على الضعف البشري في مقابل القدرة الإلهية. ولكن هذه المشاهدة لا تقف عند حدود المعاينة والتفرج، وإنما تتحول إلى نوع من التأمل والتساؤل. لذلك نجد أغلب الآيات المتعلقة بحاسة النظر تبدأ بسؤال إنكاري أو بأمر:
{أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت} [الغاشية: 17] .
{فلينظر الإنسان مم خلق} [الطارق: 5] .
{ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصرًا} [النمل: 86] .
3ـ المعرفة الفيزيائية:
وهي إدراك الإنسان داخل فيزيائية الزمان والمكان والأشياء وهي تتطابق مع الواقع، بحيث إن العقل البشري يوجد بواسطة الأفكار تصورات عن مجموعة حقائق انطلاقًا مما تسميه النظريات الفيزيائية فكرة الموضوع. وهذه المسألة موجودة في القرآن بحيث نجد عوالم وحيوات في الزمان تماثل الواقع والانطباعات الحسية. يقول تعالى: {يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم* يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد*} [الحج: 1 ـ 2] وقوله: {إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارًا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون} [يونس: 24] . والملاحظ أن هناك مفارقة كبيرة بين زمانين معينين
4ـ المعرفة العلمية:
هي أرقى مراحل المعرفة الإنسانية، وفي القرآن هي توصل الإنسان إلى ثوابت تؤكد الربوبية والوحدانية والبعث والإعجاز الإلهي، قال تعالى: {والأرض بعد ذلك دحاها أخرج منها ماءها ومرعاها*} [النازعات: 30 ـ 31] أصل الأرض قبل توزيعها إلى بحار ومراعي.
{ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح} [الملك: 5] .
علم الفلك.
{وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم} [النحل: 15] .
قانون التوازن.
{وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجًا من نبات شتى} [طه: 53] .
5ـ المعرفة الاضطرارية:
ذلك أن الوجود الإنساني مرتبط بضرورات إنسانية تتعلق بالسلوك والمرض والصحة والأمل والرغبة، ولذلك وجدنا في القرآن سيلًا من الآيات جاءت لتجيب عن جملة من الأسئلة الظاهرة والمبطنة في داخل الكائن البشري الباحث عن سبل الاطمئنان النفسي والعضوي:
{يسألونك عن المحيض} [البقرة: 222] .
{يسألونك عن اليتامى} [البقرة: 220] .
{يسألونك عن الخمر} [البقرة: 219] .
وكلها آيات نابعة من الضرورة الحياتية والفضول المعرفي المرتبط بالحاجة التي فرضتها سنة التعايش والحرص على بقاء النوع البشري.
خلاصة:
إن الإسلام قد حدد بعمق مفهوم الطبيعة الإنسانية وشرح آلياتها وفسر عناصرها ومكوناتها. كما أنه نظر إلى الإنسان داخل الفئة الاجتماعية، ثم ضبط الجماعة في الأمة. يقول عليه الصلاة والسلام: «وخالق الناس بخلق حسن» (5) وقال: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) (6) ، ثم إن الإسلام حين أكد المعرفة، فقد ربطها بالآخرة بحيث يصبح العلم بالشيء فضيلة مزدوجة: أنسنة التصرف البشري وفق التعايش السلمي بعيدًا عن مظاهر العنجهية والحيوانية، ثم إدراك الغاية من الوجود البشري {وللآخرة خير لك من الأولى} [الضحى: 4] . حيث يصبح الإنسان مطالبًا بتخليق سلوكاته وعلاقاته الخاصة والعامة، وتصبح الحاجة إلى التعلم والعلم ضرورة دنيوية وفضيلة أخلاقية، ويبقى الإنسان في التصور الإسلامي هو ذلك الكائن الاجتماعي المكون من جسد وظائفي وعقل تمييزي وحشد من العواطف والإحساسات والرغائب المشروطة بأخلاقيات فاضلة ومعرفة بالذات والله والكون عامة.
الهوامش
1ـ عالم نمساوي (1939ـ1865) قسم الذات الإنسانية إلى الأنا ـ الأنا الأعلى ـ الهو.
2ـ Moise et le monotheisme
3ـ فكرة محمد إقبال، الشاعر الباكستاني.
4ـ حديث رواه الحاكم وأبو داود عن عبدالله بن عمرو بن العاص.
5ـ رواه الترمذي.
6ـ رواه البخاري ومسلم.