فهرس الكتاب

الصفحة 13467 من 27345

انظر أيها الإنسان .. أأنت وحدك في هذا الكون أم أنت واحد من ملايين وآلاف الملايين منها ما طحنته راح الزمان فمات ، ومنها ما يحيا معك ويضطرب على الأرض التي تضطرب عليها ، ومنها ما تبشر به وعود المستقبل ؟ بدون شك أنت واحد من أناسي كثيرين ، وأنت بالذات ومن معك ممن يشاركك ويشابهك . أأنتم كل ما في كون الله أم ثمة مخلوقات ومصنوعات صدرت عن هذه الذات أو القوة وسموها بالذي تشاؤون التي تقرون بها أنتم ؟ أدر نظرك في الأرض في السماء في الآفاق فأنت واجد عوالم أخرى ، عوالم منها ما تراه بعينك وتلمسه بيدك ومنها ما لا تراه ، ولكنك تحس آثاره وتلمس هذه الآثار ، ومنها ما تنكشف عنه حجب الزمان شيئًا من وراء شيء ، ومنها ما تجد البشرية نفسها على موعد معه بعد زمان يطول أو يقصر .

هذه المخلوقات المتكاثرة التي لا تقع تحت حساب ولا يحصيها العد ولا يجمعه ديوان كيف يقع في وهمك أنها تصدر عن قوة محدودة القدرة ؟ إن كونًا بهذه العظمة وهذه السعة وهذا التناسق والإبداع لا بد أن يكون من ورائه قوة لا تحدها حدود ولا تقيدها قيود ، ذلك أبسط ما ينبغي للإنسان أن يسلم به ، أبسط شيء يجب عليك أن تسلم به أن هذا الذي خلق الأكوان كلها لا تحد قدرته حدود ولا تقوم دون إرادته قيود ، هذه المسلمة البدهية الصغيرة هي التي أبرزها القرآن في سورة المرسلات وأبرزها على نحو أخّاذ عجيب ، لأنه كلام الله الذي يأتي في الوقت المناسب والمكان المناسب ردًا وعلاجًا لواقع عيني مشهود . تعال أيها العربي .. انظر حواليك وقلّب النظر .. أنت تستكثر على الله أن يحي الأموات بعد أن هرمت ، لا بأس عليك قد تكون عاجزًا عن مواجهة نفسك مع أن نفسك بالذات تحمل الدلائل على ذلك وصدق الله إذ يقول ( وفي أنفسكم أفلا تبصرون ) لكن انظر بعد ( وفي الأرض آيات للموقنين ) انظر حواليك ماذا ترى: ليل ونهار وأرض وسماء ورياح تسوق السحاب وكل شيء من حولك يوحي بالدقة والإتقان ويوحي بالتناسق والضبط ويوحي بالقصدية التي لا بد أن يلمحها العاقل من تصرفات هذه الذات القوية التي نطلق عليها اسم الله جل وعلا .

هذه الرياح المرسلة التي تسوق السحاب إلى الأرض الجرز فينزل الله به الماء فيحيي به الزرع والضرع ويحيي به ميت الآمال في نفوس الناس ، هذه الرسل التي تتابعت تؤكد حقيقة واحدة هي أن الله موجود وأن الله خالق ، وأن الإنسان في هذه الحياة الدنيا وُجد لغاية حددها القصد الإلهي ، وأنه لم يُخلق سدى ، وأنه لم يُترك لأن يتصرف على هواه وإنما لا بد من الشريعة تضبطه ، ولكي يؤدي من حيث النتيجة كشف الحساب ، هذا كله لا بد أن يكون عن قدرة ليس لها حد .

انظر كيف أن السور تصور لك كيف أن الله جل وعلا نقلك فورًا فوضعك في جو يوم الآخر ، وأنت قضيت حياتك كلها مكذبًا جاحدًا رادًا على المرسلين ، هذا النور الذي جاء من عند الله هدى وبشرى للمتقين ، وعمى وضلالًا على الفاجرين ، تصور الله تعالى يجمع الرسل يوم القيامة ليكونوا شهداء على الناس ، ويجمع كذلك هذه الجماهير المكذبة التي تسمع من أخبارها ما تسمع ، والتي تجهل منها أكثر مما تعرف ( ألم نهلك الأولين ، ثم نتبعهم الآخرين ، كذلك نفعل بالمجرمين ) هذا السؤال وهذه المناقشة ليست هنا ، إنها تصوّرٌ لما سيكون في يوم القيامة حينما يواجه الإنسان المكذب عواقب التكذيب في الوقت الذي يبطل فيه التكليف ، وتسقط فيه الفرائض ، ولا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا ( كذلك نفعل بالمجرمين ، ويل يومئذ للمكذبين ) أي في تلك الساعة وتلك الدار حين مناقشة الحساب .

ومع أن الجو كله جو تخييل وتصوير واستحياء لمشهد ما سيكون في يوم القيامة ابتغاء استجاشة المشاعر لكي ترجع إلى نداء الفطرة الكامنة في كل ذات بشرية ، فإن الله تعالى لطفًا بعباده لا يهمل حتى في هذا الموقف أن يلفت نظر الإنسان وهو في موقف الحجاج والنقاش إلى حقائق أولية ( ألم نخلقكم من ماء مهين ، فجعلناه في قرار مكين ، إلى قدر معلوم ، فقدرنا فنعم القادرون ، ويل يومئذ للمكذبين ) أنت ترى أنه يستحيل أن يصير الموات حيًا ، أنت ترى أن من المستحيل أن يعود الناس من بعد اليوم أحياء يُسألون ويُجيبون ، أفعلًا أنت صادق مع نفسك ؟ ما أنت ؟ أولك نطفة مذرة ، وآخرتك جيفة قذرة ، وأنت فيما بينهما تحمل العذرة . ما أنت ؟ أنت نطفة من ماء مهين ، وما أبلغ قول الله جل اسمه ( ألم نخلقكم من ماء مهين ) والمهين هو ما كان في غاية الهوان والخسة والذلة وقلة القدر والقيمة ، هذه النطفة التي تنقذف منك في رحم المرأة في ساعة أو لحظة لا يخطر في بالك ما سيترتب عليها ، هذه النطفة المهينة التي لا تلقي لها بالًا والتي لا تحمل شيئًا من خصائص الحياة ، ماء ليس فيه عظم ولا عصب ، ولا عروق يجري فيها الدم ولا لحم وشحم ، ولا شيء من وراء ذلك كله ، هذه التي استقرت في الرحم ، سخرك الله تعالى لتقذفها هنا لأنها واسطة الخلق .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت