فهرس الكتاب

الصفحة 13468 من 27345

( ألم نخلقكم من ماء مهين ، فجعلناه في قرار مكين ، إلى قدر معلوم ، فقدرنا فنعم القادرون ) ليس في نيتي أن أشرح لكم ما وصل إليه العلم من وجوه الإعجاز ودلائل القدرة في هذا الصندوق الذي يحفظ نطفة الماء هذه كي تتخلّق هناك وفاقًا لأقدار محسوبة وموزونة وشرائط ، لو تخلّف منها شرط لجاء المخلوق شائهًا .

ولكن أريد أن أتحدث عما يبده العقل ابتداءً من هذه القضية ، هل في عقلك ما يصور لك ويقدر أن هذه القطرة من ماء الذكر تستقر في رحم الأنثى يمكن أن تكون في المستقبل ذلك الإنسان الجبار الذي يمشي على الأرض يقوم ويقعد ويفعل ويترك ويتجبر ؟ لا ، نحن نعرف أن كل شيء ينتج من شكله ، وما من مناسبة مرئية بين الماء والإنسان وإن كان الله تعالى ينص على أنه خلق كل شيء من ماء ، إلا أنها عملية مشهودة تشد الذهن شدًا إلى واقع يراه الصغير والكبير والعالم والجاهل ، وفيه معتبَر لمن يريد أن يعتبر من آيات الله .

هذا الإنسان رأيتم كيف أنه من مادة مهما نقل عن وصف الحياة المستقرة فيها فهي موات وشبه موات يتخلّق منها الكائن الحي الذي ينكر على ربه أن يقدر على الإعادة بعد الموت . انظر ، يناقشك الله فيقول ( ألم نجعل الأرض كفاتًا ، أحياءً وأمواتًا ، وجعلنا فيها رواسي شامخات وأسقيناكم ماء فراتًا ، ويل يومئذ للمكذبين ) أترى الموات لا يتخلّق منه حياة ، انظر إلى الأرض ، يقول الله: ألم نجعلها كفاتًا ، ومعنى كفاتًا أي أنها تضم الأحياء والأموات ، والأصل في ذلك مادة ( كفت ) بمعنى ضم وجمع ، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: اكفتوا صبيانكم في الليل ، أي ضموهم إليكم واجمعوهم ولا تسمحوا لهم بالتفرق في الليل . هذه الأرض التي مهدها لك الله وخلقك عليها وجعلها أمك ومثواك شيء يجمع الأحياء والأموات .

أرأيت هذه الأرض الجديبة تراها تتسافى من فوقها الرمال ، موات لا أثر فيها من حياة ، لا حسّ ولا حركة ، لا نبات ولا حيوان ، كيف يتنزّل عليها المطر ( فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت ، إن الذي أحياها لمحي الموتى وإنه على كل شيء قدير ) هذه الأرض التي تتصور أنها موات كم تحمل من بذور الحياة مما تراه يوميًا ، ولو أنك فتحت عقلك لرأيته كل ساعة وكل لحظة كيف يخرج الحي من الميت والميت من الحي ( يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ) ..

( ألم نجعل الأرض كفاتًا ، أحياءً وأمواتًا ، وجعلنا فيها رواسي شامخات ) التي هي الجبال العاتية والتي هي أوتاد الأرض كما جاء في تعبيرات القرآن والتي تمنع الأرض أن يختل دوراها في فلكها المرسوم له ( وأسقيناكم ماء فراتًا ) أنظرتَ إلى هذه العملية التي قلما تلتفت إليها ؟ هذا النهر الذي تشرب ماءه عذبًا فراتًا ، من أين جاء ؟ استخلصه لك الله بالرياح اللواقح التي لوّح لك بها في أول السورة من ماء البحر حتى استقلت في السماء سحابًا فأنزله الله جل وعلا فجرت به الأرض أنهارًا وعيونًا . من أين ؟ من صنعك ؟ من قدرتك ؟ هكذا اتفاقًا من غير شيء ، تلك إحالة عقلية لا يسقط فيها إنسان يحترم عقله في حال من الأحوال ، فيلفت إليها نظرك كتاب الله تعالى في موقع الحجاج والنقاش ، ولكن يقيم لك من خلال الحجاج والنقاش الحجة التي لا تدفع ، والدليل الذي لا يُنقض ، والمنطق الذي لا ينكسر ، على عدم وجود أي حد يقف في وجه القدرة الإلهية .

أرأيت ؟ أقنعت ؟ ولكن متى ؟ حين لا تنفع القناعة ، ولا يجزيك الإيمان أيها المكذب الضال ، هناك يصدر النداء من الباري تعالى إلى جحافل المكذبين والضالين ( انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون ) ألم تكونوا مكذبين باليوم الآخر وبما فيه من نعيم للأبرار ؟ وعذاب بئيس للأشرار ؟ ( انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون ، انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب ، لا ظليل ولا يغني من اللهب ) عهد الناس بالظل وقاء من الحر ولفح السموم ، ولكن الظلال التي تكون عن ألسنة اللهب المنبعثة من قلب جهنم يوم القيامة ليست ظليلة ، لا تؤنس ولا تسر ، ولا تغني شيئًا من أن يمس المكذبين لفح نار السموم ولهب الجحيم ( لا ظليل ولا يغني من اللهب ، إنها ترمي بشرر كالقصر ) هذه النار التي يسمع لها المكذبون تغيّظًا وزفيرًا ، هذه النار تتقاذف منها أكوام الجحيم كبيرة كالقصر ، والعرب تسمي كل شيء كبير قصرًا حتى الجبال تقول لها قصور ، وسمت الأبنية العالية قصورًا لأنها كبيرة ، هذا الشرر المتصاعد لكبره يشبه القصور ( كأنه جمالة صفر ) أرأيت عنق الجمال ، والعنق لا أريد به الرقبة ، وإنما أريد به جماعة الجمال حينما تأخذ بعضها برقاب بعض وهي تمشي في طريقها ، كذلك يتتابع هذا اللهب المرعب المخيف ( كأنه جمالة صفر ، ويل يومئذ للمكذبين ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت