فهرس الكتاب

الصفحة 13465 من 27345

في تلك اللحظات الهائلة المريعة يتكشف جوهر الإنسان ومعدن الرجال ، ولقد تكشفت تجربة التربية الإسلامية زمن محمد صلى الله عليه وسلم عن هوان الدنيا على المسلمين ، ويقول بعضهم لبعض في المعركة: والذي نفسي بيده إني لأشم رائحة الجنة من دون أحد . هذه حقائق وليست خيالات وليست أوهامًا ، تعبر عن إنسان كُوّن من جديد ، لكنه نسخة ليست مكررة عن النسخ الشائهة الممسوخة التي كانت الجاهلية تعيشها ، إنها الإنسان الكامل المكمل ، إنه إنسان الرسالة ، إنسان البناء ، جيل التأسيس ، الجيل الذي يحمل على كتفيه أثقل رسالة ، وأطول رسالة ، وأعظم رسالة ، وكذلك تساس النفوس ، وكذلك تُبنى الأمم ، وبغير هذه الطرائق والأساليب فالمسألة لن تزيد الناس إلا خبالًا ، والمسألة لن تزيد على هذه الصور الشائهة من الحياة السخيفة المخيفة التي يعيشها الناس اليوم .

وأريد من كل أخ أن يعرف لماذا شدد الإسلام على هذه الأمور ، وما الذي كان يهدف إليه الإسلام من خلال هذا اللون والطراز الفريد من التربية ؟ وما هي المهمات العظيمة التي تقاضت الإسلام أن يحرص على تكوين نماذج من هذا القبيل . من الآن يجب أن نعرف هذه المبررات ، ويقينًا أنا أعرف أن إشكالات ستطرأ على أذهان بعض الإخوة من جرّاء هذا الكلام . ومرة أخرى فأحب أن أقول أنا غير قادر على تبسيط الأمور أكثر مما ينبغي .

إن الإسلام ذو طريقة فذة في البناء ، إن الإسلام ليس منهجًا دراسيًا يتلقى في المدارس ليسكن العقول ، ولكنه منهج واقعي وعملي ، والعلم لا ينفك عن العمل بتاتًا ، وعبقرية الإسلام أنه بنى الأمة من خلال الواقع العملي المتحرك ، ولم يجلس الناس صفوفًا أمام رسول الله ليسمعوا منه محاضرة ثم يمشون . وإنما من خلال الواقع المتحرك لقّن الإسلام المسلمين دروسه العظمى . كثير من هذه الدروس لو شئنا أن نتعرف عليها من خلال النظر العقلي والمجادلات المنطقية لما وصلنا إلى شيء ، ولكنا في صعيد العمل سوف تتسرب إلى ذواتنا إشعاعات الحقيقة ، وهذا هو السر الذي جعل الله تعالى يقول ( واتقوا الله ويعلمكم الله ) ( ومن يؤمن بالله يهدِ قلبه ) في مجال العمل تشعر بشيء من هذه الطمأنينة التي تغمر نفسك إلى صلاحية منهجك وإلى أحقية موقفك وإلى عظيم ثقتك بالله تعالى . فلا يستعجل أحد ، ولا يثقل علينا أخ من إخواننا بالمماحكات اللفظية ، ولا بالمجادلات العقلية ، لنا طريق أوله العمل وآخره العمل ، والكلمة فيه في خدمة العمل ، وحينما تكون الكلمة غاية فالمسألة مصيبة لا علاج لها ، قبل أن يفكر أحد في المماحكة والمجادلة والمناقشة عليه أن يضع نفسه في غمرة العمل ، وحينما يكون في غمرة العمل فهو في نور كاشف يتسلط عليه من جميع الجهات ، ما كان يحسبه معضلة من المعضلات العقلية فسيرى أنه لا شيء ، وسيرى أن القضايا تتهاوى ، والمشكلات تُحل فقط حينما يعزم العزمة الأكيدة على أن يعمل فعلًا على مرضاة الله وفاقًا للمنهج الذي لقّنه الله تعالى لنبيه ووضعه هذا النبي الكريم عليه الصلاة والسلام وديعة بين يديك أيها المسلم .

أسأل الله لك ولي وللمسلمين أن يعيننا ويسدد ويوفق ..وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، والحمد لله رب العالمين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت