وينبغي التنبه إلى أن المراد بالشرط هنا الشرط بمعناه العام، وهو ما تتوقف الحقيقة على وجوده، سواء كان ركنًا فيها أو خارجًا عنها، وليس المراد أن الأعمال خارجة عن مسمى الإيمان، بل هي من مسمى الإيمان.
ومن هذا علم أن عمل الجوارح جزء من أجزاء الإيمان الأربعة، فلا يقال العمل شرط كمال للإيمان أو أنه لازم له، فإن هذا من أقوال المرجئة.
فتارك العمل الظاهر لا يكون مؤمنًا ، فالذي يزعم أنه مصدِّق بقلبه ولا يقر بلسانه ولا يعمل لا يتحقق إيمانه ؛ لأن هذا إيمان كإيمان إبليس وكإيمان فرعون ؛ لأن إبليس أيضًا مصدِّق بقلبه ، قال الله _تعالى_:"قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ"وفرعون وآل فرعون قال الله _تعالى_ عنهم:"وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا"فهذا الإيمان والتصديق الذي في القلب لابد له من عمل يتحقق به فلا بد أن يتحقق بالنطق باللسان، ولابد أن يتحقق بالعمل فلابد من تصديق وانقياد ، وإذا انقاد قلبه بالإيمان فلابد أن تعمل الجوارح ، أما أن يزعم أنه مصدِّق بقلبه ولا ينطق بلسانه ولا يعمل بجوارحه وهو قادر فأين الإيمان ؟!! فلو كان التصديق تصديقًا تامًا وعنده إخلاص لأتى بالعمل ، فلابد من عمل يتحقق به هذا التصديق وهذا الإيمان، والنصوص جاءت بهذا.
كما أن الذي يعمل بجوارحه ويصلي ويصوم ويحج لابد لأعماله هذه من إيمان في الباطن وتصديق يصححها وإلا صارت كإسلام المنافقين ، فإن المنافقين يعملون ؛ يصلون مع النبي _ صلى الله عليه وسلم- ويجاهدون ومع ذلك لم يكونوا مؤمنين ؛ لأنه ليس عندهم إيمان وتصديق يصحح هذا العمل ، فلابد من أمرين لصحة الإيمان:
-تصديق في الباطن يتحقق بالعمل .
-وعمل في الظاهر يصح بالتصديق .
أما تصديق في الباطن دون عمل فأين الدليل عليه؟ أين الذي يصححه؟ أين الانقياد؟
لا يمكن أن يكون هناك تصديق صحيح لا يصلي صاحبه ولا ينطق بالشهادتين وهو يعلم ما أعد الله لمن نطق بالشهادتين ولمن تكلّم بكلمة التوحيد من الثواب ، ولما أعدّ الله للمصلين من الثواب ولمن ترك الصلاة من العقاب ، فلو كان عنده تصديق صحيح وإيمان صحيح لبعثه على العمل ، فلو كان عنده تصديق صحيح وإيمان صحيح لأحرق الشبهات والشهوات ؛ فترك الصلاة إنما يكون عن شبهة والمعاصي إنما تكون عن شهوة والإيمان الصادق يحرق هذه الشهوات والشبهات .
وهذا يدل على أن قلبه خالٍ من الإيمان الصحيح، وإنما هو لفظ باللسان نطق به ولم يتجاوزه ، وإلا لو كان عنده تصديق بقلبه أو إقرار بقلبه فقط ولم يتلفظ ؛ فقول القلب لم يتجاوز إلى أعمال القلوب وإلى الانقياد، فالمقصود أن الذي يزعم أنه مصدِّق بقلبه ولا يعمل بجوارحه هذا هو مذهب الجهمية.
ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: يعسر التفريق بين المعرفة والتصديق المجرد، فيعسر التفريق بين المعرفة بالقلب والتصديق الذي ليس معه شيء من أعمال الجوارح، ويقول: هذا هو إيمان الجهمية - نسأل الله العافية - فالذي يزعم أنه مؤمن ولا ينطق بلسانه ولا يعمل بجوارحه مع قدرته هذا هو مذهب الجهمية ، فلا بد من عمل يتحقق به هذا التصديق كما أن الذي يعمل لابد له من تصديق في الباطن يصححه .
وقد عد إسحق بن راهوية قول من قال بأن تارك عامة الفرائض من أهل القبلة من قول غلاة المرجئة، فقد نقل عنه ابن رجب في (الفتح) قوله:"غلت المرجئة حتى صار من قولهم: إن قومًا يقولون: من ترك الصلوات المكتوبات، وصوم رمضان، والزكاة، والحج، وعامة الفرائض من غير جحود لها إنا لا نكفره، يرجأ أمره إلى الله بعد، إذ هو مقر. فهؤلاء الذين لا شك فيهم. يعني: في أنهم مرجئة".
وأخيرًا أنبه على أمر ربما أشكل على البعض، وهو ما جاء في أحاديث الشفاعة من إخراج أناس لم يعملوا خيرًا قط، وهذا قال العلماء فيه: أي: لم يعملوا خيرًا قط زيادة على التوحيد والإيمان ولابد من هذا، فإن قيل: من أين جئتم بهذا القيد؟ فالجواب من نصوص الكتاب والسنة الأخرى الكثيرة التي تفيد ذلك، والواجب ضم النصوص إلى بعضها، وقد دلت النصوص على أن الجنة حرام على المشركين، وثبت في الصحيح أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ قال:"لا يدخل الجنة إلاّ نفس مؤمنة"، وقد قال الله:"إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار"فهذه النصوص المحكمة يرد إليها ذلك الحديث، فالقاعدة عند أهل العلم: أن المتشابه يرد إلى المحكم، ولا يتعلق بالنصوص المتشابهة إلاّ أهل الزيغ والضلال،"فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله"، وثبت في حديث عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت:"إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم".
هذا فيما يتعلق بالمسألة الأولى، أما المسألة الثانية وهي: هل يكفر الإنسان بقول أو عمل؟
فالجواب عليها: