فهرس الكتاب

الصفحة 13545 من 27345

لهذا فليس عجيبًا أن نرى المجتمع الجاهلي حينما وُجه بموضوع اليوم الآخر يقف طويلًا عند وصف نرى الآن أنه لا ينبغي التنازع من حوله ، هو وصف القدرة: هل يقدر الله على الإعادة بعد الإفناء ؟ إن صفة القدرة شغلت أذهان المكيين المخاطبين بالقرآن آنذاك حيزًا وسببت لهم مشاكل لا تكاد تنتهي ، وقلت إنه ليس غريبًا وليس من باب الاعتذار عن العرب المشركين فمعاذ الله أن يكون الأمر على هذه الشاكلة ، لكن الجو الإنساني العام في تلك الأوقات كان يتصور الذات الإلهية على نحو قريب مما يتصوره المكيون المشركون ، حتى أهل الكتاب تصوروا الله تعالى خلق ثم أحال اختصاصاته إلى المجامع الكنسية وإلى الأحبار والرهبان لكي تتصرف نيابة عنه ، ولعل من المظاهر التي تشعر بعدم فهم أهل الكتاب لموضوع الصفات الإلهية ما يأتيك في التوراة من أن الله تعالى خلق الخلق في ستة أيام ثم أدركه التعب فاستراح في اليوم السابع ، والإله الذي يتعب لا يستحق أن يسمى إلهًا ، فالمسألة لا تحمل معنى الاعتذار عن ضلالة العرب الجاهليين بقدر ما تحمل إدانة الجو العام على وجه الكرة الأرضية في ذلك الزمان .

وقف المشركون أمام القدرة واستبعدوا أن يقدر الله على الإحياء بعد الإماتة ، فجاءتنا سورة المرسلات برمتها لتثبت لنا أن قدرة الله لا تعجزها شيء ، ومن خلال إثبات أن هذه القدرة لا يعجزها شيء كانت الدلائل أيضًا تتساوق لتتوارد على إثبات ليس فقط إمكانية اليوم الآخر ، بل حتمية هذا اليوم . وانتهينا من هناك لنقف اليوم أمام طور جديد .

لنقف أمام سورة ( ق ) وهي من السور المتوسطة نوعًا ما والتي نزلت بعد سورة المرسلات والتي عالجت موضوع القدرة بصورة مباشرة وبلمسات عابرة وبإيحاءات يدركها أولو الألباب ، كما لمست جوانب أخرى لها صلتها بصفة أخرى من صفات الله تعالى هي الحكمة .

تذكرون أننا حين تحدثنا إليكم قبل عدد من الأسابيع عن سورة القيامة قلنا إن من جملة الدلائل التي ساقها الله تعالى في السورة تدليلًا على إمكانية يوم الآخر دلائل أخلاقية ، والدلائل الأخلاقية لا يمكن أن يستهان بها ، ومن الدلائل الأخلاقية التي سيقت ضرورة إقامة العدالة فليس من العدل وليس من الأخلاق أن ترتكب الإنسان جناية وجريمة ثم يفلت دون أن يناله عقاب . إننا هنا ربما رأينا العدالة المباشرة تتخلف ، أي ربما رأينا نصوص القوانين لا تطال جميع المجرمين ، ولكن لله عدالة أعلى من النص الجامد المكتوب المتحيز ، يعني المحكوم بحيز معلوم . إن لله عدالة في الدنيا وعدالة في الآخرة ، وهذا من تتويج المبدأ الأخلاقي والدليل الأخلاقي . ففي الدنيا ما يصيب المجرم من قلق أو من نقص في الجسم أو المال أو الولد أو الراحة أو الطمأنينة جزء من العقاب الذي يفرضه عقاب الله تعالى .

وما من إنسان استطاع أن يخرج من الدنيا فارًا بنتائج جرمه دون أن يتعرض لشيء من المؤاخذة والمحاسبة والاقتصاص . لكن إقامة العدل الكامل تكون يوم القيامة يوم ينصب الله الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئًا ، هنالك يقام العدل . هذا وجه من وجوه الدلائل الأخلاقية التي سيقت بضرورة أن يكون هناك يوم يقام العدل بين الناس جميعًا ويقتص فيه للدجعاء من القرناء كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ، إن هذه الدلائل الأخلاقية تتصل بمسألة ألمحت إليها سورة ( ق ) وسوف تأتي بعد ذلك مفصلة في ما سوف نستقبل من السور .

إلى جانب القدرة التي لا تتناهى .. إلى جانب السلطان الذي لا يحد .. الذي ينبغي أن يتصف به الإله فثمة وصف آخر لا بد أن يتحقق في الذات الإلهية هو وصف الحكمة ، نحن نعجب بالرجل الحكيم ، ونسمع بالحكمة حين تتلى علينا بإعجاب وشوق ، وهذا من الناس ، ونحن نكبر الحكماء إكبارًا للحكمة . فإذا اتصل الأمر بالذات الإلهية فقد وجب أن يكون الله تعالى على درجة من الحكمة لا تنالها العقول ولا تطالها الأوصاف ، لا بد أن يكون الله جل وعلا حكيمًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت