مما أثاره الجاهليون كما سوف ترون أشارت سورة ( ق ) إشارة موجزة إليه موضوع الرسالة ، ليس في الصميم وليس في المبدأ ، لكن في الشكل والمظهر ، حين قال محمد صلى الله عليه وسلم: يا أيها الناس أرأيتم لو أخبرتكم أن جيشًا وراء هذا الوادي يريد أن يصبحكم أكنتم مصدقي ؟ قالوا: ما جربنا عليك كذبًا . قال: فإني نذير لكم بين عذاب شديد . أخبرهم أنه رسول من عند الله تعالى ، هذه مشكلة بالفعل ، وخاصة على أمة لم تشم روائح الإيمان من قبل ، ولم يأتها نبي من قبل . هنا أخذ العجب منهم كل مأخذ ، ليس بالنسبة إلى مبدأ الرسالة وجوهرها ولكن إلى شكل عارض ، هل يمكن أن يكون الرسول بشرًا من جملة الناس ؟ ولماذا لا يكون الرسول ملكًا من ملائكة الله تعالى ؟ هنا يأتي ميدان الحكمة التي يجب أن يتصف بها الخالق جل وعلا . إن سورًا أخرى عرضت لهذا المشكلة وحكت وقصت تساؤل المشركين ، لماذا لم يبعث الله ملكًا رسولًا إلى الناس ؟ فقال الله تعالى: ( ولو جعلناه ملكًا لجعلناه رجلًا وللبثنا عليهم ما يلبثون ) لو أننا أوجبنا أن يكون الرسول منا إلى الناس ملكًا لكان ضروريًا أن يكون هذا الملك بشرًا من البشر كي يمكن التفاهم ويمكن التخاطب ، مع عدم اتحاد الجنس ، مع اختلاف الجوهر ، لا يمكن التفاهم . والرسالة أسلوب من أساليب الإفهام بالنسبة إلى الناس يؤديه الله جل وعلا فيضًا من رحمته تبارك وتعالى ، فإذا اختلف الجنس بين المرسل والمرسل إليه استحال التفاهم وألغيت الرسالة وسقطت كل مبررات النبوة .
إن الحكمة التي يتصف بها الخالق جل وعلا تتجلى في أنه اصطفى من الملائكة رسلًا ومن الناس ( والله أعلم حيث يجعل رسالته ) وبهذا رُدّ على المشركين هذا التساؤل الشكلي المظهري الذي لا يقدم ولا يؤخر إلا زيادة الشبه والشكوك .
تُفتتح السورة هكذا بلمحة سريعة جدًا ولكنها تحتمل وقوفًا طويلًا وطويلًا للغاية ( ق والقرآن المجيد ، بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب ، أإذا متنا وكنا ترابًا ذلك رجع بعيد ، قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب حفيظ ) انتبهوا إلى الإيحاءات والإشارات التي حملتها فاتحة السورة ( ق والقرآن المجيد ، بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب ) خذ إليك الحرف الأول ، والذي سميت السورة باسمه ، فهي سميت سورة ( ق ) ليس لها اسم آخر ، اسأل نفسك: ما معنى قاف ؟ ولماذا سميت السورة بهذا الاسم الغريب العجيب ؟ ارجع ودقق وتأمل ، ما هذا الحرف ؟ واحد من حروف الهجاء التي يتألف منها الكلام العربي ، لكنه حرف مفرد ، له صورته في الرسم وليس له معناه في الذهن ، لأن الحروف جميعًا لا يمكن أن تؤدي معنى إلا إذا تضام بعضها إلى بعض فشكلت صورة تؤدي وتترجم عن معنى مستقر في الذهن ، وبغير هذا فالحروف المنثورة بلا نظام لا تؤدي أي معنى .
( ق والقرآن المجيد ) قسم ومقسم عليه ، والقرآن المجيد ، فهل تثير في ذهنك شيئًا هذه المقارنة أو هذا التجاوب أو هذه الصيغة من صيغ القسم ؟ اعمل فكرك واجهد نفسك يا قارئ القرآن أن تجيب نفسك عن هذا الشيء ، إن القرآن المجيد بحرف الهجاء ( ق ) يحمل معنى في غاية الخطورة ، ويحمل معنى واسعًا له صلته المباشرة بهذا السياق الذي نواجهه ابتداءً من سورة القارعة وإلى الآن ، ولكن كيف ؟ إن القسم جاء على هذا الشكل ( ق والقرآن المجيد ) فالمقسم به هو القرآن ، والقرآن معلوم أنه كلام الله المعجز المتحدى به الذي حكم الله جل وعلا ( أن لو اجتمعت الجن والإنس على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا ) إن هذا القرآن منذ نزل ، نزل آية خارقة دالة على عظمة المرسل الذي هو الله جل وعلا ، وقد تنتهي المعجزات ، ولكن معجزة القرآن ستبقى إلى أبد الدهر شاهدة صدق على هذه الرسالة ، ودليلًا لا ينفذ على وجود الله تعالى ، وحجة كاملة على صحة كل ما أخبر الله به في هذا الكتاب وعلى لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم . إن الله لم يجامل العرب وهم فرسان البلاغة والفصاحة والبيان ، وإنما قال بداهة وبصريح العبارة: إنكم عاجزون عن أن تأتوا ليس فقط بمثل هذا القرآن ولكن بعشر سور من هذا القرآن ، أنتم عاجزون عن الإتيان بمثلها ، بل عاجزون عن الإتيان بسورة ، بل أنتم عاجزون عن الإتيان بآية . وكانت صفعة وُجهت إلى العرب وإلى البشرية منذ بداية الدعوة ومازالت تتساقط على رؤوس المنكرين إلى اليوم ، ولم يستطع أحد ، لا من العرب ولا من غير العرب ، أن يصوغ كلامًا له حيوية هذا القرآن وأن يصوغ كلامًا له قوة وأسر هذا القرآن ، وأن يصوغ كلامًا له دقة وإحكام هذا القرآن .