قال السمناني:"وإن عين الموضع والخصوم جاز ذلك، ولم يكن له أن يحكم في غير الموضع، ولا على غير من عين له، وكل ذلك لا خلاف فيه" (8) .
وجاء في الفتاوى البزازية (9) :"قلد السلطان رجلًا القضاء وشرط عليه أن لا يسمع قضية رجل بعينه يصح الشرط، ولا ينفذ قضاء القاضي على هذا الرجل".
وقال الطرابلسي:"ويجوز استثناء سماع بعض الخصومات، أو سماع خصومة رجل بعينه، ولا يصير قاضيًا في المستثنى" (10) .
وقال ابن نجيم:"ولو استثنى حوادث فلان: لا يقضي فيها، ولو قضى لا ينفذ" (11) .
وقال ابن الغرس:"وإذا قال الإمام للقاضي: لا تقض على فلان، ولا لفلان، ولا في الحادثة الفلانية، فإنه لا يصير قاضيًا في ذلك" (12) .
وشرحه في المجاني الزهرية (13) بقوله:"حتى لو قضى فيه لا ينفذ قضاؤه".
وجاء في مجلة الأحكام العدلية (14) :"وكذلك لو صدر أمر سلطاني بأن لا تسمع الدعوى المتعلقة بالخصوص الفلاني؛ لملاحظة عادلة تتعلق بالمصلحة العامة: ليس للقاضي أن يستمع تلك الدعوى ويحكم بها، أو كان القاضي بمحكمة مأذونًا باستماع بعض الخصومات المعينة، ولم يكن مأذونًا باستماع ما عدا ذلك فله أن يسمع الخصومات التي أذن بها فقط وأن يحكم فيها، وليس له استماع ما عداها والحكم بها".
وقال الخرشي في كلامه عن ولاية القضاء:"وإذا قيل تنعقد عامة وخاصة: يجوز للخليفة أن يستثني على القاضي أن لا يحكم في قضية بعينها، أو لا يحكم بين فلان وفلان" (15) .
وجاء في منح الجليل (16) :"فلو استثنى في ولايته أن لا يحكم على رجل معين صح ذلك".
وقال القرافي في معرض ذكره لرتب الولاية:"الرتبة العاشرة: الولاية الجزئية المستفادة من القضاة وغيرهم، كمن يتولى العقود والفسوخ في الأنكحة فقط، أو النظر في شفاعات الأيتام، أو عقودهم فقط، فيفوض إليه في ذلك النقض والإبرام على ما يراه من الأوضاع الشرعية، فهذه الولاية شعبة من ولاية القضاء، وله إنشاء الأحكام في غير المجمع عليه، وذلك كله فيما وليه فقط، وما عداه لا ينفذ له فيه حكم البتة" (17) .
وقال الماوردي:"وأما القسم الثاني: وهو أن يكون التقليد مقصورًا على بعض أهل البلد دون جميعهم فيجوز إذا تميزوا عن غيرهم، فيقول: قلدتك لتقضي بالبصرة بين العرب دون العجم، ويقلد آخر القضاء بين العجم دون العرب، فيكون كل واحد من القاضيين واليًا على من اختص بنظره، فلا يجوز لقاضي العرب أن يحكم بين العجم، ولا لقاضي العجم أن يحكم بين العرب، وليس لواحد منهما أن يحكم بين من ليس من العرب ولا من العجم، كالنبط؛ لخروجهم عن نظر كل واحد منهما" (18) .
وقال أيضًا:"ويجوز أن يكون القاضي مقصور الولاية على النظر بين خصمين معينين، فيختص بالنظر بينهما، ولا ينظر بين غيرهما" (19) .
وقال أيضًا:"وأما النظر الخاص: فهو أن يقلد النظر في المداينات دون المناكح، والحكم بالإقرار من غير سماع بينة، أو في نصاب مقدر من المال لا يتجاوزه، فهذا جائز، ويكون مقصور النظر على ما قلد" (20) .
وقال الكرابيسي (21) :"إن القضاء مما إذا خص به، بدليل أنه لو خص ببلد اختص به، فكذلك إذا خص [شخص أو نوع] (22) اختص به" (23) .
وقال أبو يعلى:"فإن كانت ولايته خاصة، فهي مقصورة النظر على ما تضمنته، كمن جعل له القضاء في بعض ما قدمناه من الأحكام، أو في الحكم بالإقرار دون البينة، أو في الديون دون المناكح، أو في مقدار من المال فيصح التقليد، ولا يجوز أن يتعداه؛ لأنها ولاية فصحت عمومًا وخصوصًا، كالوكالة" (24) .
وقال أيضًا:"ويجوز أن تكون ولاية القاضي مقصورة على حكومة معينة بين خصمين، وتكون ولايته عليهما باقية ما كان التشاجر بينهما باقيًا، فإذا بت الحكم بينهما زالت ولايته، فإن تجددت بينهما مشاجرة أخرى لم ينظر بينهما إلا بإذن مجدد" (25) .
وقال الموفق ابن قدامة:"ويجوز أن يجعل حكمه في قدر من المال، نحو أن يقول: احكم في المائة فما دونها، فلا ينفذ حكمه في أكثر منها" (26) .
وقد يرى الإمام أن ينهى القاضي ويمنعه من نظر دعوى معينة، وإن كانت مما يندرج في اختصاصه؛ لمصلحة يقدرها، وهذا لا يخلو من أحد حالين:
الحال الأولى:
أن يكون نهي الإمام بعد نظر القاضي في الخصوصة، واتضاح الحق له فيها، فهنا على القاضي أن ينفذ حكمه ويصدره، ولا ينظر إلى هذا النهي (27) .
ولا يجوز للإمام أن يتوقف حينئذ عن تنفيذ الحكم، لأنه يعارض الأصل من ضرورة تنفيذ الحكم القضائي وعدم تعطيله.
الحال الثانية:
أن يكون نهيه قبل نظر القاضي في الخصومة وتبين الحق فيها، وهذا له ثلاث صور:
الصورة الأولى: أن ينهى الإمام القاضي عن سماع دعوى بعينها، فلا يجوز للقاضي حينئذ سماعها، وله أن ينظر فيما عداها مما يماثلها (28) .
وفي وجه عند الحنابلة أن له الحكم بها (29) .
الصورة الثانية: