فهرس الكتاب

الصفحة 25624 من 27345

أن ينهى الإمام القاضي عن سماع دعاوى تنتظم في وصف معين، مثل أن ينهاه عن نظر قضايا قتل المسلم للكافر، والحر للعبد، لمصلحة يراها، ويعهد بهذه القضايا إلى غيره، فليس للقاضي حيئنذ أن ينظر فيها، لأنها صارت خارجة عن نظره، وإن كان له أن ينظر في غيرها من قضايا القتل (30) .

وبناء على ما تقدم فإن حكم القاضي إذا خالف نهي الإمام في هاتين الصورتين يكون مستحقًا للنقض.

الصورة الثالثة:

أن ينهي الإمام القاضي عن سماع الدعوى؛ لمضي مدة طويلة عليها (31) ، وهذا ما يعرف بتقادم الدعوى.

وقد نهي عن سماع الدعوى بسبب التقادم مع عدم العذر؛ لأن ترك الدعوى مع التمكن وفقدان العذر فيه دلالة على عدم الحق ظاهرًا، لأن العرف والعادة يمنعان سكوت الشخص عن ملكه زمنًا طويلًا (32) .

وقد اختلف الفقهاء في تحديد المدة التي لا يجوز نظر الدعوى بعدها.

فذهب الحنفية والشافعية وبعض المالكية إلى القول بالتحديد (33) ، ثم اختلفوا في مقدار التحديد فورد عن الحنفية تحديد المدة التي يأمر بها السلطان بخمس عشرة سنة (34) ، وعشر سنوات وورد ما هو أقل من ذلك على تفصيل عندهم (35) .

وورد عن الشافعية تحديدها بخمس عشرة سنة (36) .

وورد عن بعض المالكية تحديد المدة بعشر سنوات (37) وقيل: سبع سنوات فأكثر (38) .

والقول الآخر في المسألة: أن تحديد المدة موكول إلى اجتهاد الإمام وهو مذهب الحنابلة (39) ، والمذهب عند المالكية (40) .

ويظهر لي أن ترك تحديد المدة إلى الإمام أو القاضي هو الأولى؛ لأن لكل مسألة ظروفها وملابساتها، ولأن التحديد ينبغي أن يراعى فيه تفاوت الحقوق، وأنواع الدعاوى، وعرف الناس وعاداتهم، وحال الزمان، وقد اختار هذا الرأي الشيخ محمد بن إبراهيم -رحمه الله- فقال:"ليس هناك مدة معينة يعتبر مضيها مانعًا لسماع الدعاوى فيها، حيث إن هذا خاضع للعرف واعتبار الأحوال" (41) .

وهذا الرأي أيضًا هو الذي انتهت إليه هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية في قرارها رقم 68 الصادر في 21/10/1399هـ ومما جاء فيه:"وحيث إن المجلس لا يعلم نصًا شرعيًا خاصًا في تحديد مدة تملك الشيء المعين الذي بيد إنسان وليس لديه إثبات الملكية سوى طول المدة، وادعى إنسان آخر ملكيته ولديه ما يثبت أنه كان ملكًا له بوسيلة من وسائل الملك الشرعية، ونظرًا لأن هذه المسألة من المسائل التي تبنى على العرف وعلى قاعدة سد الذرائع، وأن الحكم في كل صورة من صورها يختلف باختلاف الزمان، والمكان والأشخاص والأحوال فإن المجلس يرى عدم تحديد مدة معينة تكون أساسًا يبني عليها القضاة أحكامهم، بل يترك الحكم لاجتهادهم، فإذا عرضت صورة من الصور لواحد منهم اجتهد فيها على حسب اختلاف ظروفها وملابساتها وبناها على القاعدة الشرعية التي يمكن أن تنطبق عليها" (42) .

وعلى ضوء ما تقدم فإن القاضي إذا سمع دعوى نهاه الإمام عن سماعها، لمضي مدة طويلة عليها فإن حكمه فيها لا يكون نافذًا لمخالفته تقييد الإمام (43) .

ومن الأمثلة على الاختصاص بنوع القضايا في العصر الحاضر ما يفعله ولي الأمر من ترتيب القضاء على درجات، بحيث يكون لقضاة الدرجة الأعلى النظر في أحكام قضاة الدرجة الأولى وتمييزها لإقرارها أو نقض ما يستحق النقض منها وهو ما يعرف بـ"تعدد درجات التقاضي" (44) .

فنجد هنا أن قضاة الدرجة الأولى يختصون بنظر القضايا ابتداء، بينما يقتصر نظر قضاة الدرجة الأعلى على تمييز الأحكام والتأكد من صحتها (45) .

ومن الأمثلة على ذلك أيضًا في المملكة العربية السعودية اختصاص المحاكم الجزئية بالفصل في قضايا التعزيرات والحدود التي لا إتلاف فيها، وأروش الجنايات التي لا تزيد على ثلث الدية (46) ، والحكم في الدعاوى التي لا تزيد قيمتها على عشرة آلاف ريال (47) .

واختصاص المحاكم الكبرى بالفصل في قضايا القتل أو الرجم أو القطع أو القصاص فيما دون النفس (48) ، وجميع دعاوى العقار، والزوجية والنفقات (49) .

ومن الأمثلة على الاختصاص بنوع الخصوم ما سبق أن عمل به في نظام القضاء في المملكة العربية السعودية، وهو ما جاء في قرار مجلس الشورى رقم 303 بتاريخ 2/7/1349هـ من بيان اختصاصات المحكمة المستعجلة الثانية بمكة المكرمة، فقد جاء في المادة الأولى من ذلك القرار"أن للمحكمة المستعجلة الثانية الحق في رؤية جميع الدعاوى الآتية المتصلة بشؤون البادية فيما بينهم" (50) .

(1) أخرجه البخاري في صحيحه 6/2622 (6748) ، كتاب الأحكام، باب موعظة الإمام للخصوم، ومسلم في صحيحه 3/1337 (1713) . كتاب الحكم بالظاهر والحق بالحجة.

(2) فتاوى السبكي 2/435.

(3) المصدر نفسه 2/530.

(4) بدائع الفوائد 4/12.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت