فهرس الكتاب

الصفحة 3959 من 27345

فإخلاصُ النيةِ واجِبٌ من الواجباتِ، قال عون بن عمارة:"سمعتُ هشامًا الدستوائي يقول: واللهِ ما أستطيعُ أن أقولَ: إني ذهبتُ يومًا قط أطلبُ الحديثَ أُريد به وجهَ الله عز وجل". قال الإمام الذهبي رحمه الله معلقًا على قول هشام الدستوائي:"واللهِ ولا أنا؛ فقد كان السلف يطلبون العلمَ لله؛ فنبلوا وصاروا أئمةً يُقتدى بهم، وطلبَه قومٌ منهم أولًا لا لله وحصَّلوه ثم استفاقوا وحاسبوا أنفسَهم؛ فجرَّهم العلمُ إلى الإخلاص في أثناء الطريق، كما قال مجاهد وغيره: طلبْنا هذا العلمَ وما لنا فيه كبيرُ نيةٍ ثم رزقَ اللهُ النيةَ بعدُ، وبعضُهم يقول: طلبْنا هذا العلمَ لغير الله فأبى أن يكونَ إلا لله. فهذا أيضًا حسنٌ، ثم نشروه بنيةٍ صالحة. وقومٌ طلبوه بنيةٍ فاسدةٍ لأجل الدنيا، وليُثنَى عليهم؛ فلهم ما نوَوا، قال عليه السلام: (( مَن غزا ينوي عقالًا؛ فله ما نوى ) ) [رواه أحمد والدارمي والنسائي] . وترى هذا الضربَ لم يستضيئوا بنور العلم ولا لهم وقعٌ في النفوس، ولا لعلمهم كبيرُ نتيجةٍ من العمل؛ وإنما العالمُ مَن يخشى اللهَ تعالى، وقومٌ نالوا العلمَ وولوا به المناصب؛ فظلموا وتركوا التقيُّدَ بالعلم وركبوا الكبائرَ والفواحشَ؛ فتباًّ لهم فما هؤلاء بعلماء! وبعضُهم لم يتقِ الله في علمِه، بل ركبَ الحِيَلَ وأفتى بالرُّخَص وروى الشاذَّ من الأخبار، وبعضُهم اجترأ على الله ووضعَ الأحاديثَ فهتكه الله وذهبَ علمُه وصار زادَه إلى النار. وهؤلاء الأقسامُ كلُّهم رَوَوا مِن العلم شيئًا كبيرًا، وتضلَّعوا منه في الجملة، فخلفَ من بعدِهم خلفٌ بان نقصُهم في العلم والعمل، وتلاهم قومٌ انتمَوا إلى العلم في الظاهر، ولم يُتقنوا منه سوى نزرٍ يسيرٍ؛ أوهموا به أنهم عُلماء فُضلاء، ولم يَدُرْ في أذهانِهم قط أنهم يتقربون به إلى الله؛ لأنهم ما رأوا شيخًا يُقتدى به في العلم؛ فصاروا همجًا رعاعًا، غاية المدرس منهم أن يُحصِّل كتبًا مثمنةً يخزنها وينظر فيها يومًا ما؛ فيُصحِّف ما يُورده ولا يُقرِّره؛ فنسأل اللهَ النجاةَ والعفوَ، كما قال بعضُهم: ما أنا عالمٌ ولا رأيتُ عالمًا. وقال رجلٌ لابن الجوزي رحمه الله: ما نمتُ البارحةَ مِن شوقي إلى المجلس؛ قال: لأنك تريد الفُرجة؛ وإنما ينبغي الليلةَ أن لا تنام. فأخلصْ تُفلحْ وتمنَّ دائمًا وأبدًا صفاءَ النية، قال أبو يزيد البسطامي رحمه الله: لو صفا لي تهليلةٌ ما باليتُ بعدَها. وسَلِ اللهَ أن يُعافيَك مِن سُوء النية؛ فإنَّ عاقبةَ ذلك وَخِيمةٌ جدا. روى أحمد بن زهير عن يحيى قال: إذا رأيتَ إنسانًا يقع في عكرمة وحماد بن سلمة؛ فاتهمْه على الإسلام، وقال عبد الله بن المبارك رحمه الله: رُبَّ عملٍ صغير تُكثِّره النية، ورُبَّ عملٍ كثير تصغِّره النية! وقال: مَن استخفَّ بالعلماء ذهبتْ آخرتُه، ومن استخفَّ بالأمراء ذهبتْ دنياه، ومن استخفَّ بالإخوانِ ذهبتْ مروءتُه. واعلمْ أن العملَ كلَّه هباءٌ إلا بالإخلاص، وأن ما كان لله دام واتصل، وما كان لغير الله انقطع وانفصل؛ فاصدُق النيةَ مع الله تعالى؛ فمن صَدَقَ اللهَ علا، قال سفيان بن عيينة رحمه الله: ما أخلصَ عبدٌ لله أربعين يومًا إلا أنبتَ اللهُ الحكمةَ في قلبِه نباتًا وأنطقَ لسانَه بها، وبصَّرَه عُيوبَ الدنيا: داءها ودواءها؛ وهذه ثمرةٌ من ثمرات الإخلاص. سُئل حمدون القصار: ما بالُ كلامِ السلف أنفع من كلامِنا؟ فقال"لأنهم تكلموا لعزِّ الإسلام ونجاةِ النفوسِ ورضا الرحمن؛ ونحن نتكلم لعزِّ النفوسِ وطلبِ الدنيا ورضا الخلق"!"

ولا يخفى أنَّ ما ذكره الذهبي رحمه الله من حالِ علماء السوء قد عمت به البلوى في هذا الزمان، وأدهى من ذلك وأمر أن يُفتيَ أحدُهم بالفتوى مُخالِفًا لنصوصِ القرآن والسنة وإجماعِ سلفِ الأمة؛ فنسأل اللهَ النجاةَ والعفوَ، قال أُويس القرني رحمه الله: وإذا قمتَ فادعُ اللهَ أن يُصلحَ لك قلبَك ونيتَك؛ فلن تُعالجَ شيئًا أشدَّ عليك منهما. فمن خلصتْ نيتُه في الحق ولو على نفسِه كفاه الله ما بينَه وبين الناس. وقال محمد بن واسع رحمه الله: إن الرجل ليبكي عشرين سنةً وامرأتُه لا تعلم!

فلله در المخلصين؛ فإخلاصُهم سرٌّ مصونٌ في مسكِ القلبِ ينبِّه ريحُه على حالِه. وحتى تلحق بقوافل المخلصين اعلمْ أنه لا ينفع قولٌ إلا بعملٍ، ولا ينفع قولٌ ولا عملٌ إلا بنيةٍ، ولا ينفع قولٌ ولا عملٌ ولا نيةٌ إلا بما وافقَ السنة.

وحتى تلحقَ بقوافلِ المخلصين عِشْ سالمَ الصدرِ طاهرَ القلبِ عن الغش والغل وسائرِ أمراضِ النفوس، ولا تحضرْ مواطنَ الغِيبة ولا تُشاركْ المغتابين، ولا تحتقرْ أحدًا من عبادِ الله صالحًا أو طالحًا؛ لأن أفعالَهم تجري على ما سبقَ به القضاء وكتب القلم.

اللهم ارزقنا الإخلاصَ في القولِ والعملِ والقصد، وارزقنا الإخلاصَ في السر والعلن، اللهم أحيِنا مُخلِصين وتوفَّنا مُخلِصين واحشرْنا مع المخلِصين يا ربَّ العالمين. آمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت