فهرس الكتاب

الصفحة 10187 من 27345

سار بذلك دون لأي.. سار شرقا وغربا وشمالا وجنوبا وحيث ظن أن العالم ينتهي هناك.. لم يعتره تعب أو نصب، وكلما أذن أحس أن صوته حيث انتهى يدعوه، فيحزم متاعه ويسير بلهفة خلفه، فإذا انتهى إلى قرية أو بلدة أو مدينة صغيرة لم تنبت بعد بشكل كامل، أحس به وجعل يبحث عنه في عيون الناس من حوله. ويا للدهشة، كان يعثر عليه، خليطا من الحكايات عنه وعن صوته. حكايات لم يكن يصدق أنها ستخرج من تلك الأفواه وتخلده، أو يعثر عليه في عيون طفل صغير أو فتى يعلمه ويتركه بصمة هناك.. سار بذلك أعواما، حتى أصبح الناس يتوقعون وصوله إليهم. وأحيانا تسري أخبار عنه أنه في مكان بعينه، وغدا سيحل في مكان آخر، وهكذا..

ذات ليلة نزل مكانا خاليا، وكان الليل قد أظلم، فتغطى ببرنسه كعادته ونظر إلى النجوم.. كان النعاس يدب إليه فنام بسرعة. وعند الفجر أستيقظ. نهض ونظر إلى نفس النجوم ثم توضأ بما عنده من ماء وقام إلى صخرة وراح يؤذن.. فلما أنهى آذانه وتحضر للصلاة وهم بأن يكبر، أحس بشيء كالعصي على ظهره، فالتفت. كان رجال بخوذات لم يتبين وجوههم واقفين وراءه.. التفت إليهم ثم كبر، ولم يكد يفعل ذلك، حتى تلقى ضربة قاسية أسفل ظهره، فسقط إلى الأرض، ثم جعلوا يسحبونه من يديه. ولما انبلج الصبح رأى وجوههم. كانوا جنودا فرنسيين، ولكنه لم يتوقع وجودهم في هذه المنطقة. سحبوه بعنف، ولما صعدوا به تلة، رأى حشودا كثيرة وشاحنات وخيام وحركة كثيفة. لقد سبق لهم وأن اقتادوه ذات مرة قبل أعوام، ولكنه لم ير مثل هذه الحشود.. اقتادوه إلى خيمة عسكرية اللون تقوم في وسط المعسكر ، ثم دفعوا به إلى الداخل. كان ضابط شاب يجلس وراء مكتب، فلما رآه لم يهتم بأمره، بل جعل يحدق في خارطة أمامه. وبعد مدة نهض، ثم صرخ بغضب:

-ما الأمر؟

فقال واحد من أولئك الجنود:

-سيدي.. لقد وجدناه قريبا من المعسكر.

فدنا منه بحذر .. وقال:

-ماذا كنت تفعل عندنا ؟ !

بدا للمؤذن سؤالا جريئا، فأجابه:

-كنت أصلي.

-تصلي ؟!

ثم عاد إلى مكتبه بنفس الهدوء، وجلس، ثم رفع رجليه معا ووضعهما على المكتب، وقال:

-كنت تتجسس علينا إذن ؟!

لم يفهم المؤذن شيئا، فصمت، حتى قال الضابط:

-اسمع.. قل لنا من أرسلك وأين هم الآن ؟ وسنطلق سراحك لتعود إلى صلاتك !

ثم راح يقهقه بصوت عال.. وفجأة صمت مرة واحدة. نهض عن مكتبه وتقدم نحوه بسرعة حتى كاد يلتصق به،وجعل يحدق في عينيه ويقول بصرامة:

-أين هم ؟ هيا..

قال المؤذن:

-لا أعرف.

-لا تعرف... لا تعرف ؟! وأنتم تقتلون و تفرون ليلا كالخفافيش...جبناء.

كانت الثورة قد بدأت قبل أشهر، وكان المؤذن قد سمع بأولئك الذين جعل الضابط الصغير الحجم يسبهم، ولكنه لم يلتقيهم.. لا بد أنهم في مكان قريب من هنا.

جعل يحلق بخياله بعيدا، حتى قال الضابط:

-لن تتكلم.. حسنا. ستتكلم في العالم الآخر.. رغم أنني لا أؤمن به.

وعاد يقهقه ثانية، والجنود الذين خلفه التزموا بالصمت، متهيئين متحفزين، وفجأة استدار وتناول عصا دقيقة من على مكتبه ورفعها عاليا ثم هوى بها على جبينه فشجه، وصرخ:

-هيا.. خذوه.

سقط المؤذن من أثر الضربة على ركبتيه، ولم يفق إلا بعد أن سحبوه خارجا. جروه من يديه معا حتى وصلوا به إلى وادي صخري قريب وهناك أوقفوه.. جعلوا يبتعدون عنه شيئا فشيئا.كانوا أربعة، وواحدا منهم أخرج مسدسه من جيبه وراح يسدده إليه، مبتسما بمكر ولا خوف في عينيه.. ابتعد أكثر، وجعل ينظر إلى زملائه ويتكلم خليطا من الشتم والسب، وقد افرج ما بين ساقيه وأمسك المسدس بقوة، ثم فتحه. وإذ ذاك انطلق شرر قوي، ولم يعد المؤذن يعي شيئا. خيل إليه أنه يهوي إلى قعر، وأن يديه صارتا خفيفتين وهما تحاولان التشبث بالهواء. أحس بنفسه يرتطم بشيء مؤلم، ثم أحاط به الظلام....

المؤذن (الحلقة 4)

بقلم: عمر مناصرية

إذا كان قد مات فتلك نهاية كل حي، أما إذا كان في عمره بقية فسرعان ما سيثور.كذلك خيل إليه أنه يتكلم ، قبل أن يستطيع فتح عينيه على ظلام ويحاول النهوض ، فلما أن كاد يفعل ذلك ، باغته ألم حاد في كتفه ، فسقط على فراشه ، وقد ظن أنه في منزل ، وأن أنفاس أطفال نائمين جعلت تحيط به وتؤنسه . ألقى برأسه على وسادة وراح يتنفس بصعوبة ، ثم حاول النهوض مرة أخرى حتى استطاع الجلوس....

كان الهدوء مخيما ، وعلى جانب رأى فتحة تسرب منها ضوء خافت مثل ضوء النجوم ، فقام نحوها .. سار على رجلين عييتين ، وتعثر بأجساد ملقاة لم يزل يضنها أجساد أطفال، ولكنه لم يسقط حتى صار في الخارج . تنسم هواء باردا ونظر بعيدا في السماء . ثم جعل ينظر حواليه ، فعثر على صخرة عالية ، ارتقاها وراح يؤذن .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت