فهرس الكتاب

الصفحة 24460 من 27345

في اليوم العشرين من شهر رمضان المبارك من السنة الثامنة للهجرة، كان فتح مكة المكرمة الذي عز به الإسلام، وارتفعت كلمة الإيمان، ونزل فيه قوله عز وجل: إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا (10) .

وكان فتح مكة هو الأمنية الكبرى للرسول لما يترتب عليه من أثر بالغ في حياة الدعوة، فلئن كان النصر في معركة بدر الكبرى تأسيسًا لبناء الدولة الإسلامية الفتية، فلقد كان فتح مكة بناء لصرح العقيدة الإسلامية.. ولئن قضى في ساحة بدر على رؤوس الشرك وعبادة الأصنام، فقد قضى في الكعبة والبيت العتيق على الأصنام التي كان يعبدها هؤلاء الطواغيت.. وبهذا الفتح المبين حقق الله تعالى لرسوله وعده الكريم حيث أنزل عليه ب"الجحفة"وهو مهاجر قوله تعالى: إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد (11) .

دخل الرسول مكة المكرمة تاليًا قوله تعالى: وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا (12) .

وطهر الكعبة المشرفة من دنس الوثنية والشرك.. ووقف على باب الكعبة قائلا:"لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده".. تاليًا قوله تعالى: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم (13) .. ثم قال: يا معشر قريش: ماذا تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا خيرًا أخ كريم وابن أخ كريم.. فقال اذهبوا فأنتم الطلقاء.. لقد نزل هذا العفو الكريم بردًا وسلامًا على تلك القلوب القاسية، والتي طالما اضطرمت بالعداوة لهذه النفس الخيرة، وطالما أعماها الحقد عن مجاوبة هذا القلب الرحيم، فقد ظل رسول الله نيفًا وعشرين عامًا ينشد الخير لهؤلاء الناس، ويحاول بكل وسيلة أن يوجههم إليه، ولكنهم عموا وصموا وبادلوه عداوة بمودة وإساءة بإحسان، وكذبوه وقاطعوه، وأخرجوه وحاربوه، وألبوا عليه وظلوا دهرهم يتربصون به الدوائر، ويتحينون فيه الفرص، فلما أظهره الله عليهم وأمكنه من رقابهم نسي كل ما سلف من مساءاتهم وعداوتهم وكافأهم بالصفح الجميل، والعفو الشامل، فأية نفس عظيمة هذه النفس! إنها نفس الرسول الكريم الذي لم يكن يضمر قط إلا الخير، ولم يكن يبغي إلا الصلاح.. والذي لم يكن قط جبارًا ولا ظالمًا ولا منتقمًا لنفسه.. قال تعالى: لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريض عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم (14) .

إذلال الروم بفتح عمورية

في سنة مائتين وثلاث وعشرين للهجرة، وفي شهر رمضان المبارك اقتحم المعتصم بالله العباسي حصون عمورية في مائة وخمسين ألفًا من جنوده.. وكانت عمورية غرة في جبين الدهر، والدرة والتاج في تأريخ الإسلام.. ولقد نقل إلى الخليفة أن امرأة مسلمة من العفيفات قد وقعن في يد علج (15) من علوج الروم، فلما هم بسبيها نادت: وامعتصماه.. وامعتصماه.. فهز النداء نخوته، وأثار رجولته، وقال: لبيك.. لبيك.. فنهض المعتصم، ولبس لامته (16) وتقلد سلاحه، وركب حصانه، وصاح بالنفير (17) وهو على أبواب قصره.. وأقسم ألا يعود إليه إلا شهيدًا محمولًا على الأعناق، أو ظافرًا منتقمًا للمدينة الغالية المنكوبة، والمرأة المسلمة المغصوبة.. وفي أرض المعركة قاتل الجيش المسلم الروم.. ولم تغب شمس يوم السابع عشر من شهر رمضان سنة مائتين وثلاث عشرين للهجرة إلا وكانت المدينة العريقة العتيدة قد فتحت أمام جيوش المسلمين المنتصرة.. وشوهد المعتصم بن الرشيد يدخل مدينة"عمورية"على صهوة جواده الأصهب (18) .. وقد نكس رأسه خضوعًا لله وشكرًا على نعمائه.. وعاد المعتصم الظافر إلى بغداد بعد هذا الفتح الكبير.. قال الشاعر أبو تمام يخاطبه:

خليفة الله جازى الله سعيك عن

جرثومة (19) الدين والإسلام والحسب

بصرت بالراحة الكبرى فلم ترها

تنال إلا على جسر من التعب

إن كانت بين صروف الدهر (20) من رحم

موصولة أو ذمام غير منقضب (21)

فبين أيامك اللاتي نصرت بها

وبين أيام بدر أقرب النسب

هزيمة التتار في عين جالوت

سنة ستمائة وثمان وخمسين للهجرة شهد العالم الإسلامي يومًا من أيام الله، أعز الله تعالى فيه المسلمين من هوانٍ (22) ، وقواهم من ضعف، وآمنهم من خوف.. ونصرهم على عدو يفوقهم في العدة ويزيد عليهم في العدد. واليوم يوم عين جالوت.. وبطل هذا اليوم سيف الدين قطز..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت